أواب

الموقع الخاص بالشاعر و الكاتب الدكتور المغربي أحمد بلحاج آية وارهام

الأجوبة على الأسئلة التي وجها الإعلامي والشاعر ياسين عدنان للشاعر أحمد بلحاج آية وارهام لمجلة دبي الثقافية

س 1- في الوقت الذي تسود فيه المُناوشات ما بين التيارات الشعرية في بلادنا من أنصار القصيدة العمودية حتى المتحمسين لقصيدة النثر، تبدو أنت غير معني بكل هذا السجال خصوصاً وأنك تكتب الشعر العمودي والتفعيلي وكذا قصيدة النثر. ما سر هذا التعدد الذي يميز تجربتك الشعرية؟

 

ج ـ التعدد هو سمة الكائن الشعري، وبخاصة في ظل ثقافة الاستهلاك المنمِّطة؛ التي تُحوجنا إلى ترك المبادرات الروحية، و إلى تعطيل التفكير الجواني، والسلبية أمام اجترار القديم، أو الخضوع للوافد الملتبس. فهل أمام هذا نكون نحن؟ وتكون الذات في زمنها؟. إن الذي لا يتعدد لا يمكن أن يكون له وجودٌ، ولذلك فنحن لا ننحاز إلى الأشكال، وإنما إلى الزمن الذي في داخلنا، فهو الذي يبدع أشكالا جديدة لوجود جديد؛ إذ لا يمكن أن تكون للوجود دينامية إلا إذا كانت هناك أشكالٌ أخرى تُصاحبه، كشكل الصوفي، فهو ليس مقيما في السكون، وإنما في الاضطراب والحركة، والسرُّ في ذلك انجذابه إلى الحضرة العُلْيا. لا يتقيدُ بنعت و لا بوصف ولا بأي شيء، بل يتقيد بزمنه الداخلي. والزمن كما نعلم ليس أصلاً في الحقِّ. و إنما هو أصل في الكون، وزمن الإنسان هو ما في داخله، وحينما يتطابق زمنه مع الأشكال الموجودة في الوجود تكون هناك الجمالية. ومن ثمة فإن كل مبدع له الحق في أن يخترع الأشكال التي يُريدها، والتي تتطابق مع زمنه الداخلي، وبذلك يَفتح الذائقة على مباهج الجمال الكوني، ويُخلصها من سجن التنميط الذي وضعتها فيها المؤسساتُ والمواضعاتُ الماضوية. فالمؤسسات بكل ضروبها و أشكالها لا تتخلى عن خنجرها المقنع، والمبدعُ لا يتخلى عن جناح الحرية. أليس غريبا أن كل الأوطان حتى المتطورة منها ملْأى بالسجون والقُموع والفظاعات؟ ولا يُخلخل هذا إلا الشاعر، فهو كالغيم محكوم بالتوالد، مادام الغيم قائما فالأسئلةُ قائمة كذلك، ومتجلية من سماء الطفولة، ومن المستحيل أن يكون هناك شاعر دون طفولة. فالإنسانية ليست رُقَعًا جغرافية و هُوِّيات مختلفة، بل ثقافة استبصارات عبر التاريخ، والشعرُ باعتباره متضمِّنا حقيقة الوجود في جَوْهَرِ جَوْهَرِهِ هو الذي يُشعرنا بهذه الاستبصارات لِتلافي تصادم الهويات،  وَ لِتَقَبُّلِ الأشكال والتَّعَدُّدَات بعشق سام.

 

س 2 ـ بالمقابل أنت حريص على أن يكون لك قاموسك الخاص. قاموس يجد مرجعيته في لغة الصوفية. بل إن الروح الصوفية تسري في أغلب شعرك. فكيف يتجاور الشاعر والصوفي داخلك أثناء الكتابة؟

 

ج ـ إن النظر إلى العالم أنظار، و كل نظر يحمل استيهاماته والتباساته، وارتعاشات محلومه. وهذه الأنظار تتكثف في أربعة؛ هي:

 

نظر عامة الناس، ويكون بالبصَر، وغايته المشاهدةُ الماديةُ الحسِّيَّة، وأداته"إلى".

نظر الفلاسفة، ويكون بالعقل، وغايتُهُ التحليل والتركيبُ والوقوف على العلَّة الأولى و أداته"في".

نظر الصوفية، ويكون بالبصيرة، وغايته المحبةُ والرحمةُ، وأداته "اللام".

نظر الشعراء، ويكون بالخيال والمُكافحة والمقابلة، و غايته الخلْقُ والحريةُ، ولذلك فهو لا يحتاج إلى أداةٍ، لأن الأداة قيدٌ و إعاقةٌ، والخيال حرية يُمثل أسمى الحضرات التي ما فوقها حضرةٌ ولا تحتها حضرةٌ. ولذا كان الشعر هو هُوِّية الخيال، ولغة اللغات التي كلَّم بها الله العالم. فالشاعر ينظر مباشرةً؛ دون حاجة إلى أداة من خارج ذاته؛ وينفذ إلى جوهر جوهر الوجود، والصوفي ثائرٌ فوق سجادة الشعر ضِدَّ الفساد في الكون.

 

في الشعر والصوفية أتعرف على الحقيقة البشرية الضائعة بين الملائكة والشياطين وأقلامِ الدجالين، وهذه المعرفة تـحُول بيني وبين الوقوع في براثن الوهم، وما يترتب على ذلك من تداعيات. فالسوق الرأسمالية اليوم هي واحدة من أهم مؤسسات إنتاج الوهم في حياتنا المعاصرة. و إذا كانت الفلسفة الرواقية قد عرفت الإنسان بأنه مجموعة رغبات لا يُمكن أن تُلبى، فإن التكنولوجيا الآن قد سحبَت هذا النفي القاطع، و عرَّفت الإنسان بأنه مجموعة رغبات يُمكن أن تُلبى، وبذلك أَدْخَلَتْهُ في سجن الأزمات، وأظَلَّتْهُ بسقف التوترات. ولهذا السبب جاءت الصوفية لتجسير الفجوة بين الإنسان وذاته، وبينه وبين العالم بكل مكوناته، ولتدعيم الجانب الروحي للاستفادة منه حضاريا، و لِإِسْبَاغِ شفوفيته على الحياة، فهي تَرفض اندراجَ الفرد في قطيع يشل حريته، بل إنها تؤكِّد على حريته وتفرده في ذاته كبَصَمَاتِهِ الصوتية والعُضوية. وبهذا المعنى تَكُونُ المنقذَ من مأزق نظامِ القيمِ في عالمنا، وذلك لأن هدفها ليس السيطرة على الآخر و إلْجَامَ حركته، وطمسَ هُويته، وإنما فهمه  و إفهامه بقيمته العليا في الكون.

 

فمشكلة الواقع و المثال لا تتعلق بالصوفية فقط، بل بالحياة نفسها التي تريدها ثقافة العولمة نمطًا "مِيدوزِيًّا " باردا كالمرمر والحَجَرِ، تزدهر فيه صناعةُ الموت في معاملَ سرِّيَّةٍ، وأقبية تسليحٍ فتاكٍ. ألا يدعونا كل هذا إلى الدخول في فضاء المحبة الذي ينسجه لنا الصوفي والشاعر، وإلى التأمل في هذا التَّحَاضُنِ بينهما وبين الكون إلى درجة التماهي؟ إنها محبة لا تُكتب على الرمال، وإنما تُنقش على أديم الزمن. وليس بِدْعًا أن يكون الصوفيةُ والشعراء دائما مثيرين للريبة ومشبوهين، لأنهم ينادون بحرية الفرد، فقَدُرُهُم أن يَقْلِبوا العالمَ رأسا على عقِب. فالصوفية والشعر هما الحرية الغير القابلة للمفاوضات والتنازلات، فنحن نعاني نقصًا مُهلكًا وفتاكا في الحرية والخيال، فمخيلتنا هي مخيلةٌ إقصائية تحديدية قمعية كما مخيلة المؤسسات.

 

إن تجاور الشاعر والصوفي في داخلي هو تَجاوُرُ جناحين خائضين في لانهائي الخيال بروح الفتنة البهية، وحيرةِ اللذةِ السامية. فهما سفيرا النور في جميع الحضرات، كائنان دومًا خارج المألوف، يشيران إلى أن هناك باطنا ينتظرنا إذا نحن أصغينا بحرية إلى إشاراته السرية.فاختيارُ الشعرية الصوفية بالنسبة إلي هو اختيار البلسم الذي يُنقذُ أرواحنا من السُّمِّ الذي يتسرب فيها، ويحجب عنا الرغبة في الخلاص من كل أنواع الشر التي نَقْتَرِفُهَا في هذا العالم. فالصوفي والشاعر يُحلقان في ضوءِ مجهول اللانهائي، والسياسي يركض في غُبَارِ الآنيِّ والنفعيِّ، ولذلك نجدُ الحداثة لا تتوالد إلا منْ خُطَى هذين الـمُنْفَلِتَيْنِ من زمن السياسي. فهما اللذان يمنحان الإنسانَ القدرةَ على التخلص من قصوره وعجزه، وليس السياسي، و ما يُواجهُ الإنسان من تحديات هو وليد أفكاره، ومن ثمة نراه ينكمش في ذاكرة جسده ووطنه، ولا يُخرجه من هذا الانكماش إلا الصوفي، حيث يربطه بذاكرة الكون كله، ويجعله يتبرَّأُ من يده إن لمست سلاحا، ويقبلها إن أمسكت نايا. فالناي هو مركز الرؤية الشعرية عند الصوفي، لأنه رمز الروح الذي تلتقي فيه كل الأرواح فتؤلف لحنا واحدا كاملا، لا يُهدد التوازن بين الإنسان والبيئة كما تفعل العولمة الآن.

إن تحاضن الشعر والصوفية في داخلي هو تحاضن ذاتين لا تتآمران على الحقيقة، ولا تتقنَّعَان بنزوات ما ورائية للهروب من العالم، وإنما تقومان بممارسة وجودية تؤشر على رؤيا كونية مُحَدَّدة، يكتشف فيها  المتلقي نفسه، كما يكتشف كذلك العبثية التي يمارسها الإنسان في العالم. إن الكتابة بهاتين الذاتين تجعلك في حضرة لَأْلَآتٍ تُبَسْتِنُ الكونَ المصَحَّرَ بفعل الأنانية والشره والهيمنة.

 

س 3- عموماً الصوفي والشاعر معاً يستخدمان الرمز ويعتمدان الإيحاء وينأيان عن التصريح. أيضاً لهما نفس الولع باقتحام المجهول والكشف عن مكنوناته. يعني هناك تقارب ما بين الشاعر والصوفي خصوصا على مستوى اللغة. اشرح لنا أكثر هذا التداخل ما بين لغة الشعر ولغة أهل الذوق من الصوفية؟

 

 

 

ج ـ  التداخل بين هذين الحقلين يكون في أمرين: الكلمة والخيال. فالكلمة هي الحرفُ مُتناسلا في علاقة حب وعشق مع الأشياء، وهذه العلاقة تقوم على ركيزتين :

 

1 ـ المشاهدة والنظر

2 ـ الحدس والبصيرة

 

فالأولى أفقية وصفية وسردية، والثانية عمودية استبصارية. والصوفي والشاعر ينْأَيَان عن هاتين الركيزتين، لأنهما تجعلان من اللغة وجودا فارغا لا شحنة فيه ولا حلمَ ولا توهج ولا إيقاعَ، بحيث يغدو المرئي محوا لغير المرئي، واللامرئي نوعًا من طمس المرئي. ولذلك نرى الكلمة عندهما تتطابق مع الشيء، بحيث يغدوان جسدًا واحدا متوحدا في لباس واحد، ذلك أن الشيء في أصله كلمة، والكلمة في أصلها هي شيء.

أما ثاني الأمرين الذي يكون فيه التداخل بينهما هو امتطاء الخيال الذي هو حضرة الحضرات ـ كما يقول ابن عربي ـ لأنه لا يتقيد بشيء، و لأنه منفصلٌ وليس متصلا. و نحن نعرف أن الصوفي والشاعر في سفر واضطراب دائمين؛ هاجسهما خرقُ الحجُب للوقوف على حضرات الوجود، وهذه الحضرات حدَّدها الصوفية في خمسٍ؛ هي:

1 ـ حضرة الناسوت : وهي مرتبة وجود الأجسام الكثيفة.

2 ـ حضرة الملكوت : وهي مرتبة فيض الأنوار القدسية، وتمتد من السماء الأولى إلى السابعة، وتشمل عالم المثال، وعالم الروحانية، وعالمَ الأفلاك.

3 ـ حضرة الجبروت : وهي مرتبة فيض الأسرار الإلهية، وتمتد من السماء السابعة إلى الكرسي، وتشملُ الأرواحَ المجردة، أي عالم الملائكة.

4 ـ حضرة اللاهوت : وهي مرتبة ظهور أسماء الله الحُسنى وصفاته العلى بأسرارها وفيوضاتها وتجلياتها.

5 ـ حضرة الهاهُوت ( = العماء) : وهي مرتبة البُطُونِ الذاتي الذي لا مَطْمَعَ لأحدٍ في نيلها إلا التعلق بها فقط. لأنها تُمثل غيب الغيب الذي لا يمكن أن يصل إليه خيالٌ، لأنه مقامُ احتجاب الذات الإلهية بذاتها عن كل ما سواها.

والشاعر والصوفي بامتطاء الخيال والكلمة يحاولان الخروج من القيود والنعوت، والوصول إلى الذات للتطابق معها. وكيف يصلان؟ بالغشاوة التي هي لغة الله في العالم، فالذي يفهم بالإشارة هو أقوى فكرا وروحًا من الذي لا يفهم إلا بالعبارة . ولذلك نُلْفِي الشعراء والصوفية يَبْقَونَ في الإشارة، لإدراكهم أن الله خاطبَ العالمَ بكامله بكل أنواع الإشارات، ومن ثم كان تشبثُهم بها، فبعضهم يقف عندها، وبعضُهم يتجاوزها إلى حيث لاَ حرفَ و لا محروفَ و لا صَوْتَ. فالرؤيا هي أرض الشاعر و أرض الصوفي التي ينسجان بها وفيها لغتهما الإشارية و الرمزية و المفارقة للغة الخطابات الأخرى. وهذه اللغة تفيض من النقطة باعتبارها وجودًا ومعرفةً و أزلاَ، لأن كل خطِّ منطلقٌ منها وذاهبٌ إليها. إشعاعها يُفجِّرُ حُدُوسك فتكتبُ وتنكتب، و لا كتابة دون حدوس، ولا حدوسَ دون محبة، فالمحبة هي النقطة التي فاض منها الوجود، ليكون مآله الرحمة. 

 

س 4- نتوقف الآن مع أعمال لك بعينها. مثلا ديوانك الشهير (الخروج من ليل الجسد) يقدم الجسد باعتباره سجناً تسعى الروح للانعتاق منه. أيضاً الجسد بالنسبة لك ليل وظلمة. وهذه دلالة سلبية تأخذ منحى معاكساً للتصور الحداثي للجسد كما تحتفي به القصيدة المعاصرة. لماذا هذا الموقف "المتطرف" من الجسد؟

 

ج ـ أعتقد فيما يخص هذا الديوان أن بعض القراء لم يتطابق زمنهم الداخلي مع ما فيه، ولذلك لم تصل رسالتي إليهم. و إلا فإن الديوان كله احتفاء بالجسد، و ما الليل المضاف إليه إلا استعارة للمرض الذي يناوشه، والليل في العربية له معان وظلال، من بينها إطلاقه على اُلْخَمْر، وتُكَنَّى بأُمُّ لَيْلَى. و كم في حياتنا من لَيَائِلَ تَنْخُرُ أجسادنا، وأرى أن هذا الالتباس يجدُ مفتاحه في قصيدتيْ "تسعة إيقاعات للجسد الحزين" و يُشبه منشار الليل" .

ولا بد هنا من الإشارة إلى ثلاث نقاط جوهرية تتعلق بالمفاهيم التي هي الشغل الشاغل للفلسفة المعاصرة على مستوى الإبداع. وهذه النقاط تتجلى في الكلمات: البدن، الجسم، الجسد. فنحن على الخَطِّ المفاهيمي نخلط بين دلالاتها، وهذا ما يؤدي إلى اللُّبس إبيستيمولوجيا وجماليا وصوفيًّا وشعريا. ولتلافي هذا اللبس سأعطي مثالا بكلمتي روح وبدن، فآخر حرف في الروح وأول حرف في البدن هو الحب. فما العلاقة بين الروح والبدن؟ إنها علاقة حب، ولذلك بنَى الصوفية وجودهم ونظامهم المعرفي على الحب، وكذلك الشعراء، فالحب مركزُ العالم، لم ينتبه إليه أحدٌ سوى المرأة، فهي أول مَنْ قالت بالحب الإلهي، وأول من  أَرْسَتْ معالمه، مُمَثَّلَةً في العارفة رابعة العدوية.

لقد خلق الحقُّ العالم بالحب، وأسَّسَ عليه الصوفية منظومتهم المعرفية انطلاقا من "نظرية الكَنْزِيَّةِ الْمَخْفِيَّةِ"التي تقول :(كنتُ كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلقَ، فبي عرفوني). فالحب تنفيسٌ إلهي منه يبدأ الشعراء والصوفية لاكتشاف العوالم الفيزيقية والميتافيزيقية، ومنها عالم البَدَنِ الذي هو صناعة إلهية ربانية، خلقها لتتكيف مع العالم المنظور، ولاَحِظْ أن النون في آخر كلمة (بدن) تمثل نصفَ الدائرة الكونية الظاهرة، أي الكونَ الجليَّ الذي نراه ،وهذه النون إذا وضعت فوقها نونا أخرى مقلوبة  فإنها تُصبح دائرة مجسِّدة للكون الجلي والخفي.

فالبدن موجودٌ للتكيُّف مع الكون الظاهر، أما الجسم فهو مركَّب فيزيولوجي فقط، محكومٌ بضرورة الحاجة، وبتلبية رغباته وشهواته الحيوانية، ولذلك كانت الميمُ في آخره عبارة عن دائرة فيها شولةٌ (جسـم ) تجرُّه إلى الأسفل ليبقى في رغباته ونزغاته. والصوفي والشاعر يعملان على رفع الإنسان من هذه الحيوانية الجسمية إلى مرتبة الجسد؛ التي هي مرتبة تقديس. فالجسد مُقَدَّسٌ عندهما لأنه فسحة الحرية، وفسحة الطموحات المتعددة، والقيمِ العليا التي تتحقق فيها إنسانية الإنسان، ولهذا نلاحظ في آخره الدَّالَ)جسـد) منفتحة للدلالة على  كل هذا بعكس الميم في الجسم.

فأنا أَصُوغ الوجودَ والمجرى الأُونطولوجي للذات بدنًا وجسمًا وجسدًا في قوالب جمالية تتعالق فيها اللحظات : الصوفية والشعرية تعالقًا مشهديا بصائريًّا، يشكل سياقا زمنيا آخر، مختلفا كليًّا عن التمثلات الإنسانية الأخرى، ورافضا الاستمراريةَ الهادئة للإحساس والاستنباط والاستراحة Catagénique، لأنه حلمٌ وحركة وتوقٌ وفضاءٌ يتضمَّنُ كل القيم.

فتأويل الذات Herméneutique du sujet وتحريرُها شعريا هو الذي يجعلها ذاتا خلاقة، يمتلك وجودُها بُعْدًا جماليا هو حقيقتها التي لا تحجبها السلطة المختبئةُ بكل أشكالها تحت أقنعة إنسانية. فالفردُ في زمن التَّعَوْلُمِ غدا مُتَهَوِّسًا و مصابا بفيروس السلطة، فهو في أناهُ الباطنة The i inside ، ومن ثمة أضحى حاملا لسلطة تُلاحقه وتتعقَّلُه في كل حركاته وسكناته.والشعر في هذه النقطة بالضبط هو الذي يُعطينا ميكانيزْمَات وتقنيات تخييلية وجمالية تستطيع بها الذات الانفلاتَ من ضغوط السلطات الخارجية والداخلية المحدِّدة لسلوكاتها وَ مُمارساتها، والانزياحَ خَارِجَ المعرفة الرتيبة. فتحريرُ الذات شعريا من أوهامِ  السلطات وفِخاخها و أشرَاكِها المُقَنَّعَةِ يتضمن تحرير الجسد كذلك،والاحتفاءَ به شعريا، وبخاصة بعد أن احتقرته الثقافة الدينية وامتَهَنَتْه، و أقصته من الحياة الفوارة بأسنى الرغبات و أصفاها لصالح ما تُسمِّيه بالنفس؛ شعارها في ذلك هذا القولُ المَنْخُوبُ معرفيا:

عَلَيْكَ بِاُلنَّفْسِ وَ اُسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا

فَأَنْتَ بِاُلنَّفْسِ لَا بِاُلْجِسْمِ إِنْسَانُ

إن جسدي ـ المتضمَّن فيه معنى النفس ـ هو هُويتي بكل حمولاتها الفلسفية والسوسيولوجية العقَدية و الأسطورية والثقافية والجمالية، به أتخلص من النظرة الأحادية إلى العالم، فأنفتح على الاختلاف، والمتعدِّد عبر الإحساس.فهو موجودٌ حتى ولو لم تعترف به السلطات،  ولم تمنحه شارةَ الوجود.

وعليه؛فإن الجسد المحرَّر شعريًّا وصوفيا هو في واقع الأمر تجدُّدٌ لازمنيٌّ، وتحرُّرٌ من الأونطولوجيا والكرونولُوجيا، ونظرةٌ جمالية للوجود، مُجسِّدة لإبداع مستمرٍّ منفتحٍ على الحرية، ولإمكاناتٍ جديدة للحياة تبدد الفراغَ الموحِّدَ الذي أصبح الإنسان المعاصر يدُورُ فيه، وبخاصة بعد أن صارت حياتُهُ قائمة أساسا على غياب كل تَرَاتبٍ، وذلك لأن هدف الإنتاج فيها لم يَعُدْ يرمي إلا إلى الفراغ الموحِّدِ الذي يُغيب الاختلاف. فهو وراء ظواهرَ تبدو وكأن لا شيء يجمع بينها، مثل: أنماطِ العيش والتفكير، واجتثات المكانِ والزمان، وإضفاء طابعِ الحياد عليهما، وفُُقْدان الشعور بالقرب والبُعد، وفقدان الحساسية إزاء الآلام الشديدة الناتجة عن الحروب والكوارث والصراعات العِرقية والعنصرية و الإيديولوجية، حيث غدت مشاهدُها مكرورة مألوفة، إضافة إلى تطويع الرأي العامِّ وتوحيده عن طريق الإعلام إلى حَدِّ العبودية.

فالتقنية في هذا العصر ـ الذي تروم الشعرية الصوفية إنقاذه ـ قد عملت على تجفيفِ منابع الجمال الروحي فيه، حيث انحلت إلى نمطٍ لتجلِّي الموجود، مِمَّا أدَّى إلى اختفاء الوجودِ وظهوره كمستودَعٍ، أمسى فيه الإنسان ـ بمعارفه و أنظمته الاجتماعية و أساليب حياته و إبداعاته وتنظيمه لفضاءاته ومحلُوم جسده ـ هو كذلك يُشكل جزءا من هذا المستودع، وصار الموجودُ فيه مُوَحَّدَ الشكل، عسكريَّ المظهر حتى و إن كان من غير بِذلةٍ Uniforme sans uniformes ،آلي العمق والوجدان، مسلوبَ الإرادة التي هي أعلى تمظهرات الحرية. ولهذا جاءت الصوفية ومعها الشعر لتعيد للإنسان حريته، وتُخرجهُ جسدًا وروحا من هذا السجن الذي سجن فيه نفسه.

س 5- هناك ديوان آخر أساسي في تجربتك هو (العبور من تحت إبط الموت)، وهو الديوان الذي كتبته إثر تجربة قاسية مع المرض كابدتها في بداية التسعينات. وكنتَ مرَّة قد قدمتَ هذا الديوان قائلاً بأنه "تكثيفٌ عرفانيٌ لتجربة الموت". أريدك أن تحدثنا قليلاً عن هذه التجربة الخاصة جدا والصعبة؟

ج ـ المرض في نظر الصوفي ـ و إن كان قاسيا ـ ليس شرا، بل هو أيادٍ (= نِعَمٌ ) لله بيضاء يسبغها علينا كباقي أياديه اُلْجُلّى ليختبر معادننا، ويرى سلوكاتنا في العالم. وقصص الأنبياء والمبدعين مع المرض والموت مصدر ديني وثقافي مُلْهِمٌ. فالموت سر الإبداع والنبل والعلم والحكمة، فحين تكون بين صحوة الموت وسكرة الآلام تَشِفُّ ذاتك وترى الوجود بعين الشفوف، فتصنع لك فيه علاقات أخرى أكثر سُمُوًّا وأكثر اُفْتِتَانًا،لأنه تراه أنتَ، وهو يراك هُوَ، بحيث إذا عثَرَتْ قدمك في حجر فإنك لا تستحي من الاعتذار إليه باعتباره جزءا من الكون. وهذا ناتج عن شُفوفيتك التي اكتشفت الروح في المادة، والمادة في الماوراء، وما كان هذا ليتأتّى لك لولا " نعمة المرض".

ولنفكر هنا في موت أَنْكِيدو كيف غَيَّرَ دواخل جَلْجامِيشْ، وفي كثير من المبدعين الذين أَرْهَفَهُم المرض، وطوحت بهم تجربة الموت إلى أعالي الإبداع القصية فقبضوا على رعشة المستحيل المضيئةِ في البعِيدِ الأبعد، وفي وردة اللانهائي. و أستحضرُ هنا تجربة الشاعر اللبناني بُّولْسْ سلامة الذي شَدَّه المرض إلى السرير أكثر من خمسة وعشرين سنة، وأُجْرِيَتْ له فيها عشرات العمليات الجراحية، ومع ذلك لم يَمرض إبداعيا، فقد أبدع ملاحم يزهو بها الشعر العربي؛ من بينها ملحمة " عِيدُ الغَدِيرِ"، و تجربة الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب،وتجربةَ الشاعر المصري أمل دنقل، وتجربتي الشاعرين المغربيين: عبد الله راجع ومحمد الطوبي، وتجربة الشاعر العربي الكبير محمود درويش، فلولا المرض وهاجسُ الموت ما كانت "جداريتُـ "ـهُ لتنكتب.

ففي الألم اختارت كل هذه التجارب حكمَةَ الشعر بدلا من خطابات أخرى، لكونه الأقدر على حملِ حقيقة الوجود. حقا إن المرض والموت مصدران لحزن سرمديٍّ يُلخص قصة الإنسان، ولكنه مصدرٌ يُصَفِّي وجودنا من الشوائب، ويمنحنا الرِّضَى بالعالم، وبكل مكوناته، ومن ثمة نَنْحاز إلى الحكمة والسمو، بدلا من الشكوى والتضجر واليأسِ. وبهذا المعنى كانت تجربتي مع المرضِ ومشاهدةِ الموتِ، وكانت الكتابة إرادةً وتمثُّلًا لهما، فحين أكتبُ أتخفَّفُ من عربدة الآلام، ومن صحوة الموت، وتُصْبِحُ الحواسُّ عندي ذاكرة تعي تَعَدُّدَ الأشياء،  وتعلَمُ الفرقَ بين الحكمة والمعرفة، وبذلك أدركْتُ أن لحظة الموت ليست قفزًا للذات في الظلام، وإنما هي انعطافة لها نحو تألُّق آخرَ، وزمن آخرَ، وأن الموت ما هو إلا ضجيجٌ في الحواسِّ يمنعني من مشاهدة ما أريدُ من سياقات أخرى جديدة للذات. ألم تُعَلِّمنا الفيزياء الحديثة أن رحلةَ معرفتنا ليست إلا رحلة وجودنا نفسه؟ فهل هذا الوجود مقتصِرٌ على الكون الجلِيِّ فقطُّ؟ أم على الكون الخفيِّ كذلك؟ إن الكتابة في هذه التجربة علمتني مقاومةَ سطوةِ النسيانِ، ومناهَضَةَ الأفول، وأرَتْنِي وجودي في الكون بشطريه. وذلك لأنها كتابة بحبر صوفيٍّ. حيث رأيتُ بعين قلبي أن كل ما في الوجود ـ ومنه المرض والموت ـ هو تَبَدِّيَاتٌ للجمال الإلهي، وشاهدتُ في كل المظاهر أَثَرَ جمال الله المطلق، فارتفع عندي حكْمُ اُلْقُبْحِ، ولم يَبق غير حُكْمِ الحسنِ، وانكشف لي معنَى الجمال عبر جَدَلِيَّةِ الظاهر والباطن، وعبر العلاقة بين الله والإنسان، وبينهما وبين العالم هكذا :

الله

 

 


الإنسان

 

العالم

 


 

 

س 6- أيضاً استوقفتني وأنا أعيد قراءة دواوينك مجموعة من الابتهالات والقصائد التي تُناجي فيها الخالق. أقترح منها مثلا هذا المقطع: ( يا المانحُ للحجر الأعمى نوراً / يا الزارعُ فيه الروحَ / امنحني عيناً/ تُبصِرُ هذا الجسر الساهر بين الكافِ وبين النونْ / امنحني بصمة أصواتٍ/ لا يعقِلُها الطينُ المحجوبُ عن الأسرارِ / ولا الأشياءُ الثَّملى بالوقت المَوْضوُنْ). كيف نجحت في إبداع ابتهالات جديدة بلغة شعرية حديثة؟

 

ج ـ إن معيار الصوفية هو المحبة..محبة العالم كما أبدعه الخالق، وكما ارتضاه.فمن سار على هذا النهج فهو صوفي، ومن كره العالم أو بعض مكوناته فليس صوفيا ولو تزَيَّا بزي الصوفية وانتحل لغتهم، وذلك لأن عندليب الصوفية يُغردُ كأنه أُورْكِسْتْرَا كاملة مليئة بالرموز والإشارات التي تُعلِّمُ المثابةَ والتضحية، ولغة العمق العاطل.

وهذه اللغة تتفَجَّرُ من صدق الذات مع نفسها، ومع زمنها الخاص، فهي ثمرةُ معرفة حدسية مباشرة، وبغير وسائط، وإدراكٌ ذاتي لا يُمكن تعميمهُ، ولا نقلُهُ من إنسان إلى آخر إلا بمعاناة التجربة نفسها، لأنه قائم على الذوق الشهودي.فإذا رأيتَ تجربة صوفية تتشابه لغتُها مع تجاربَ وحالات أخرى فاعلمْ أنها زائفة، ومن هنا كان كثير من الحالات التي تُدرجُ في الحقل الصوفي الإبداعي مُجردَ استنساخ وتمحُّلٍ وادِّعاء في اللغة والسلوك، وفي المواقف   و الأحوال قصدَ تصيُّد الجاه والمال.

فاللغة عندي هي بصمة تجربتي القائمة على  الشهود البصائري، والفائرة من معرفة متميزة بأنها:

أ ـ معرفة مباشرة ولحظية تستعصي على التعبير بغير الترميز والتلميح.

ب ـ  معرفة تتوحدُ فيها الذات بالكون.

ج ـ معرفة موسومة بالصدق والاختلاف.

وهذه المعرفة تفتح لي بُعدًا من العفوية، تنجمُ عنه حرية فكرية واسعة، وحاجةٌ إلى السعي اليومي، وإلى حياة مُغْنِيَةٍ ومنفتحة أكثر فأكثر، و مُيَسِّرَةٍ اللقاءَ بحضرة المطلق. وبهذا أُدْرِكُ أَنَّهُ ما من ذرة في الوجود إلا وعليها اسمٌ من أسماء المعبود، حيث أراه في كل شيء وفي كل مكان، سواء كنت منفردا أم مع أهلي، أو نائما أو طاعما أو منشغلا بأية مهمة كانت. فالحضرةُ موجودة دائما، وإن غابت عني توقفت عن الحياة، وهذه هي أعالي لغتي. الحب والجمال هو شِنْشِنَتُهَا، وذلك لأن علاقة الحب بالجمال توثقت فيها لسببين:

1 ـ أن الحب هو عِلَّةُ وجود العالم.

2 ـ أن الجمال هو الصورة التي ظهر عليها العالم.

 

وليس هذا التوهجُ العشقي الممتدُّ في اللغة وعلى مساحات الذوق الفردي والتجربة الخاصة انفلاتةً اعتباطية، ولا فورةً استيهامية، و إنما هو رؤية/ رؤيا بصيرةٌ بالأصل، منشدَّة إليه، محكومة به. فأنا أُحاول أن أجْمَعَ السماء والأرض في ثوبٍ واحدٍ هو ثوب اللغة،             و أكتبَ الحياة بحبر العشق الأبدي.

 

س 7- للحرف دلالته الخاصة في الشعر الصوفي. وأنت لك افتتان كبير بالحرف. هذا الافتتان يتجلى أولاً في شعرك، وأيضاً في مؤلفك الهام (الخط العربي وعلم الحرف: جمالية وأسرار، دلالات ورموز). شخصياً حينما أنهيتُ قراءة هذا الكتاب اقتنعت تماماً بأن الحرف كونٌ متشعب الأسرار، هل يمكنك أن تفتح لقراء (دبي الثقافية) كوة ولو صغيرة على هذا الكون؟

 

ج ـ تتمثل ماهية الحرف ـ في العمق الصوفي ـ  في أنه ما يخاطبك به الحق من الإشارات، والخطاب هنا تأسيسٌ لعالم تُعْتَبَرُ فيه الحروف أُمَّةً من اُلْأُمَمِ ،هي أفصح لسانا         و أوضح بيانًا. بمعنى أن عالمَ الحروف هو عالم الوجود في مستوَيَيْهِ:الخَفِيِّ و الجَلِيِّ، و أن الوجود ما هو إلا حرف، وهذا الحرفُ مشاهدُ و أشكالٌ تُرينا الوحدة في عين الكثرة، والكثرةَ في عين الوحدة.

فإذا كانت الألف رمز انفصال وتعالٍ دالًّا على عالم الجبروت، فإن الباء هي رمزُ اتصالٍ دالٌّ على عالم الشهادة والظاهر (= عالم الناسوت)، ولها من المراتب المرتبة الثانية من الوجود، أي أنها بعد مرتبة الألف التي لها الأَحَدية، فهي ثانية الوحدانية، ولذلك اختُصَّت بالأولوية(= أول الظهور)، وليس لأحدٍ ذلك المقام.

ويتجلى من هذا أن الألف ـ عند الصوفية ـ ليس بحرف، و إنما هو قَيُّومُ الحروف، يدخل فيها ولا تَدْخُلُ فيه، يُبْدِعها و لا تُبْدِعُهُ، ولذلك كانت له الأحدية باعتباره رمزا للذات الإلهية. أما الباءُ فَبِهِ ظهر الوجود كله، والباء في اللغة هو النكاحُ والتوالدُ. والياءُ حرفٌ يتضمَّنُ الذات والروح، ويرمز إلى حالة الكائن في لحظةِ مفارقة الحياة. والواو رمزٌ لأجِنَّةِ الوجود المستَكَنَّةِ في الرحم الكائنة بين الكاف والنون، فهو شبيهٌ بها صورةً        ،فإذا قالت القدرة  ( كُنْ ) فإن هذه الأَجنة تَبْرُزُ إلى الوجود، وتظهر في (يكون)، وعلى هذا الأساس اعتُبر الحرف جسدا روحيا، وقامت الأسماء والعلوم عليه، إذ لا تسميةَ خارج الحرف، ولا مفهوم خارجَ استراتيجية التسمية، ولا علمَ خارج المفهوم.

ورغم تعدُّدِ ألقاب الحروف ووظائفها فإن مراتبها لا تخرج عن ثلاث؛ هي: الحروف الفكرية (=الخيالية)، أي تخيلاتك التي لا حدود لها.والحروف اللفظية (= النفسية) التي تُردِّدُها في نفسك، ولا يعرفها أحدٌ. والحروف الرقمية (البيانية) أي الخطية التي نكتب بها. وكل هذه الحروف لها وجودات متعددة، وأشكال مختلفةٌ وقيمٌ روحية وعددية، وأقسامٌ أخرى لا تُحصى. وهنا يحق التساؤل: من أين جاء الحرف؟ وكيف اكتسب كل هذه الأبعاد والمعاني والظلال؟

يُرجع الصوفية الحرف إلى النَّفس الرحماني، فهو منه وإليه، ولذلك جاءت حروف العربية ثمانية وعشرين حرفًا، بعدد مخارج الحروف، وبعدد مَنَازل القمر، ثم إن هذه الحروف التي هي من النفس الرحماني قد تَجَلَّتْ بالعشق،فخُلِقَتْ مراتب الوجود الثمانيةُ والعشرون على عددها وموازاة لها، كل مرتبة يتوجَّهُ عليها اسمٌ إلهي ويوازيها حرف من حروف الهجاء،       فمثلا : المرتبة الأولى التي هي العقل الأول (=القلم) يوازيها حرف الهمزة؛ الذي هو حرف خالصٌ عند الصوفية، خلافا للغويين والنحويين، والمرتبة الأخيرة هي مرتبة المراتب يوازيها حرف الواو.

إني أتهيب الحرفَ حين أريد أن أستعمله، لكوني أعلم أن هذه الأمة التي لا تموت (الحروف) ستُحاسبني إن أسأتُ التصرفَ، ولذلك أستغربُ مِمَّن يُطلق الألفاظ في الهواء كما تُطلق الحجارة، ولا يُقيم وزنًا للدلالة الحافَّة والدلالة الكُلاَّنية. فمثلا: الصوفي، والمتصوف، والمستصوف، ليست في درجة دلالية واحدة كما هو مشاعٌ في الغالب. فالصوفي هو مَنْ أتقن فَنَّ الحياة، وانفتح على اللانهائي، وعلى العالم والكائنات، وكل مفردات الوجود(=كلمات الوجود) لتحسيس الإنسان بعلاقة جديدة مع العالم، و لإرجاعه إلى قلب هذا العالم و أشيائه، كي يتحوَّلَ ويتجدَّدَ تبعًا لتجدُّد التجليات الإلهية.وبذلك يكون انفتاحُه ولا تناهيه، بحيث يغدو لا مكانَ له ولا وقتَ. فالمكان عنده يصير متحركًا ومتغيرًا ومتجددا، لكل لحظة مكانُها، كما أن لكل صورة معانيها المتميزة، ولا تشابُه مطلقا بين الأمكنة، كما أنه لا مِثْلِيَّةَ بين الكائنات والصور الوجودية. و بهذا الوعي يكون سلوكه الصوفي سلوكا حداثيا، وفنا للحياة ممكنا، وتكون رؤيته رؤية جمالية مغايرة للرؤيات السائدة، لأنها توجد اهتماما بما يقع وراء الكائن البشري، وبكيفية تحقيق الإنسانية الكاملة للإنسانPotential Humanness، لخلق ثقافة (الأوم Om ) التي بواسطتها يمكن الجمع بين كل المعتقدات الدينية من أجل تشجيع السلم والروحانية في كل المعتقدات والمِلَلِ والنِّحَلِ عن طريق التفاهم والتجاذب الجمالي.

أما المتصوف فهو ذلك الشخص الذي تَفَعَّلَ السلوك الصوفي، وانسحب من الحياة، مؤملاً خَلَاصَ نفسه لا غير، قامعا الجسدَ بلذةٍ احتقاريةٍ، قاطعا صلته بالحياة على الأرض، مُرَحِّلًا الحقيقة عُلويا، ضاربا بآلاء الله المتجلية على الأرض عُرض الحائط، لا هَمَّ له إلا أَنْعُمُ السماء. لا يرى غير التجلي الإلهي الذي يومن به، أما غيره من التجليات الإلهية التي يومن بها  الآخرون فهي لا تعنيه، لأنها في اعتقاده زيغ وانحراف. وهذا الضرب من المتصوفة هو الذي ابتليت به الحياة العامة قديما وحديثا.    

ويبقى المستصوفُ، وهو ذلك المتَطَفِّلُ على الميدان، والمتقنِّعُ بقناعه، قصد اجتناء مكاسب مادية، ومراتب سلطوية روحية. فهو منتهزٌ وذئب في جلدِ حملٍ، يسير مع كل الرياح، ويركب كل الأمواج للحصول على متاعِ الدنيا الذي هو غايَتُه من اُسْتِصْوَافِهِ.

والذي يكشفُ بواطن الثلاثة هو لغتُهم، فالصوفي تكون مواجده ومواقفه وحالاتُه أثِيرِيَّةً، فتنتج عنها لغة خاصة لها نظامها الإشاري السيميائي، وحقلها الترميزي والاستعاري الخارج عن الحقول التي أَلِفَتْ اللغة حراثَتَها. والمتصوف تكون لغته استنساخية نمطية مكرورة مُقَلِّدَةً. أما المستصوف فإن لغته تكتال من الرياح والأمواج والمواضعات التي يركبها، فتجد فيها انحيازا لكل هذا، لا انحيازًا لحرارةِ التجربة ونارها الجوانية.

 

س 8- أيضاً توقفتَ في الكتاب عند الحروف المقطعة الموجودة في أوائل بعض السور القرآنية : ألم ، ألمص، ألر، ن، وغيرها.. لماذا برأيك عجز علماء التفسير أمام هذه الحروف التي تقول أنت بأن الصوفية كانوا أقدر من المفسرين على كشف المحجوب من معانيها؟

 

ج ـ إن الوعي بالقيمتين: الإبستيمولوجية و الأونطولوجية للحرف دفعت الصوفية إلى أن يروا أن الوجود سِفْرٌ ضخمٌ يمارس فيه الله كتابته الوجودية، و أن العلاقة بين الكاتب والمكتوب ذات منحىً دلالي خفي أشبه بعلاقة الحرف بالمعنى. فالموجودات كلمات الله التي أخرجها من صمت العدم إلى صوت الوجود، كانت مباطنة لِنَفَسِهِ الرحماني فأخرجها إلى الوجود الحسي العِيَّانِي، وكذلك الحروف والكلمات فهي موجودات أخرجها النَّفَسُ الإنساني من المباطنة إلى الظهور.

وبهذا التوازي الدلالي بين الوجود والحروف دلالة وشكلا وكتابة قرأ الصوفية العالـمَ السري للحروف المُقَطَّعَةِ في أوائل بعض السور القرآنية، وعددها أربعة عشر حرفا رامزا؛ هي على الترتيب ـ بعد إسقاط المُكَرَّرِ منها ـ: ( ألم،ألمص، ألر، ألمر،كهيعص،طه،طسم،طس،يس،ص،حم،عسق،ق،ن)،وتجمعها العبارة التالية :(نصٌّ حكيمٌ قاطعٌ له سرٌّ ). وقد كشفت لهم هذه القراءة عن معنى وجودي هام، يتمثَّلُ في أن البداية بالألف ما هي إلا رمزٌ بأن الذات الإلهي المحض هي البداية، وأن النهايةَ بالنون ما هي إلا رمز بأن الوجود بشطريه:                                                  ( الحسي/الروحي،الظاهر/الباطن،الحاضر/الغائب) هو النهاية. فبالألف قامت النون، وأُخرجت من البطون إلى الظهور، من العدم إلى الوجود، من الغياب إلى الحضور، ولا انفكاك للنهاية عن البداية، فهي خاضعة لحضرة الجبروت وحضرة الصفات. فالألفُ بما هي موازية للذات الإلهية جلَّتْ أن توصف بالحركة والسكون، لانفصالها في الأَزَلِ، ولانتهاء الغايات إليها، فهي باطنُ الباطن، والعلاقة بينها وبين الهمزة علاقة شكلٍ بمنطوق، إنها شبيهة بعلاقة الذات الإلهية بتجلياتها الإبداعية. وهكذا تكون الألفُ منزهة عن الحركات، لأنها رمز لكمال الذات المحض، لا يصح فيها اتصالُ شيء، ولكن حينما يتم النطق بالهمزة فإن ذلك يكون باسم الألف، وباسم صفة من صفاته التي تفتتح الوجود.

أما النون فهو دائرةٌ وجودية تشمل الملك والملكوت، منشطرة إلى عالم تركيبي ظاهر، وعالم روحاني محجوب خفي. والنقطة هي البرزخ الفاصل بين هذين العالمين، والدالُّ عليهما، ومادام عالم الروح محجوبا فإن عالم التركيب سيبقى ناقصا، ومن ثمة فلا كمال للوجود، فهو ناقص، ونقصانه يوازيه نقصان النصف الآخر من النون. وتبقى الألف هي الكمال الموازي لكمال الذات المحض.

إن هذه الحروف تختزل الكون، وترمز إليه، وتتوازى معه وجوديا ومعرفيا، ف (ألم)مثلا تتضمن:

أولا : الألف الذي هو حرف قائم؛ منه نشأت الحروف، ومنه تنشأ، وفيه تدخل سائر معانيها، والذي يُنَاظِر العقلَ والعلم والعرش واللوح.

ثانيا : اللام الذي هو حرف واصلٌ الأدنى والأعلَى، وهو يُنَاظِرُ الكرسي واللوح والنفس.

ثالثا : الميم الذي هو حرف دال على التمام، وهو يناظر الجسم. فالألف هو مبنى الجمع والإجمال، عِلْمُهُ في النقطة،وَعِلْمُ النقطة في المعرفة الأصلية،والمعرفة الأصلية في علم المشيئة، وعلم المشيئة في غَيْبِ الهواء، وعلم غيب الهواء في انتفاء التشبيه.

وهكذا يَرِدُ الألفُ عندهم في سياقات شتى، تبدأ من الخارج لتتوغل في الداخل، وتتوطَّن في خفاياه، وبذلك يصبح متحولا ومتساوقا مع الوجود شكلا ونصا، وبالتالي تتحول الحروفُ والعالمُ إلى شبكات من الصور تتنافذُ فيها الرموز بدلالاتها اللانهائية، ويذوب العارفُ فيها نظرا وعشقًا وكأنها مرآة تقتنصُ ما لا نهايةَ له. وقد أدرك ابن عربي هذا فخصَّصَ للحروف المقطعة هذه و أسرارها عدةَ قصائدَ في ديوانه الكبير؛ منها قصيدة تُنَيِّفُ عن عشرين بيتا، يقول فيها:

حُرُوفُ أَوَائِلِ اُلسُّوَرِ

يُبَيِّنُــهَا تَبَايُنُهَــا

إِنْ أَخْفَاهَا تَمَاثُـلُهَا

لَتُبْدِيـهَا مَسَاكِنُـهَا

فَـمَا أَخْفَاهُ مُضْمَرُهَا

لَقَدْ أَبْدَاهُ كَائِـنُـهَا

فالكون بكل مُكوِّناته هو حروفُ أوائل السور،والإنسانُ فيه هو أَعْلَى هذه الحروف، بمعنى أن الكون إنسانٌ كبير، والإنسانُ كونٌ صغيرٌ يضمُّ ذلك الكون الكبير، وإن كان لا يُدرك ذلك، كما قيل:

أَتَزْعُمُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَـغِيرٌ

وَ فِيكَ اُنْطَوَى اُلْعَالَمُ اُلْأَكْبَرُ ؟!

   ولا يتأتَّى إدراكُ أسرار هذه الحروف للصوفي إلا حينما يكون في نَفْسِهِ هَيُولَى لِصُور المعتقدات كلها، لكي يدرك إشارات الله. وهذا الإدراك يتم بآليتين:الرؤيا التي تأتي بلا إرادة ، والخيال الذي هو إرادة طالعة من الباطن، وذلك لأن الحرف رمزٌ يدخل في الاسم، والاسمُ يُوجد الوجود. يقول ابن عربي:

إِنَّ اُلْوُجُودَ لَحَـرْفٌ أَنْـتَ مَـعْنَاهُ

وَلَيْـسَ لِي أَمَلٌ فِي اُلْكَـوْنِ إِلَّاهُ

اُلْحَرْفُ مَعْنًى، وَمَعْنَى اُلْحَرْفِ سَاكِنُهُ

وَ مَا تُشَاهِدُ عَـيْنٌ غَيْرَ مَـعْنَـاهُ

 

 

س 9- كتاب آخر من أهم مؤلفاتك لا أريد أن ننهي هذا الحوار دون أن نفتحه ولو لبضع دقائق، أقصد طبعاً (شعرية الحمامات). موضوع طريف وغير مطروق. فما الذي جعلك تخصص كتابا كاملا لأخبار الحمامات وأوصافها وأشعارها وطرائفها؟

 

ج ـ أوَدُّ في هذه النقطة أن أرفع ما قد يُحدث التباسا في ذهن المتلقي حين يسمع كلمة (الحمام)،فأنا لا أقصد الحمَّامات العادية المألوفة في المنازل، والمكرَّسة للنظافة اليومية، وإنما أقصد نوعا خاصا من الحمامات له جاذبيتُهُ الجمالية والسحرية والشعرية. إنه فضاء معماري استمد شرعيته من محيطه، ووجودَه من فضاء الحضارة العربية الإسلامية بزخمها، ورونقها، وثرائها، وخصوصياتها. فيه شِيَّةٌ من شياتها، ونبضة من نبضاتها.

ومعلوم أن البناء الثقافي في هذه الحضارة لم يكن خاضعا لهندسة ذات بُعد واحد، بل كان مُمثلا لصحوة الاختلاف ولمسة الائتلاف، محتفلا بالذوق والإمتاع، والسمو والابتكار. الرؤية فيه لاَحِبَةٌ ورحبة، والأسُسُ عنيدة وصلبة، والغاية هي التفرد في دائرة التجانس، والإحساسُ بالذات داخل هذا البناء؛الذي هو رغم تبَايُن غُرفه يتواصل، ورغم تقابُل أبوابه يتفاعل...ومن ثَمَّ كان هذا التشكيلُ الحضاري المترَف، والذي يهمنا منه هو جانب الحمامات.

فهي ـ إن تَرَكْنَا هدفها العام الذي أُسِّست من أجله ـ موجةٌ من بحر هذه الحضارة، ودُرْجَةٌ (=موضة) من دُرجها، ومركَّبٌ معماري جمالي يُبدع الجمال، يجمع بين شعرية المكان، وشعرية الهندسة، وشعرية الطقوس، وشعرية الحقبة، لا تختلف في ذلك حمامات دمشق عن حمامات القاهرة، ولا حمامات بغداد عن حمامات اشبيلية وغرناطة، ولا حمامات إيران عن حمامات  تركيا، ولا حمامات فاس ومراكش وتطوان وطنجة ووجدة ومكناس عن حمامات تلمسان وتونس والقيروان...إلا في لمسات تهجس بها الجهة، وتشي بِطَابَعِهَا.

وهذا الثراء المعماري في الحمامات ليس بذخا سفيهًا، ولا تَرَفًا مقيتا، وإنما هو ضرورة حياتية فرضها مستوى العيش العام، وتَطَلَّبَهَا إيقاع التطور، والبعد الروحي الذي يربط الإنسان بِقُبَّة السماء. فهو يَتَطَهَّر ويَتَجَمَّل ويتَزَيَّن في الحمام، ثم يدخل إلى المسجد لِيُناجيَ خالق الكون قبل أن يأتيه نداء الرحيل. وفي كل هذه الأمكنة الثلاثة: الحمام، المسجد، الضريح نلفي قِبَابًا تَعْلُوها، فما السِّرُّ في ذلك؟ وإلى ماذا يرمز؟ إنه ارتباط جوَّاني بقبَّة السماء، وانشدادٌ إلى الفلك الأعلى.

وقد حاول الشعراء أن يلجُوا هذا الفضاء السحري المُؤَسْطَر؛ بما فيه من نقوش وتخاريمَ وَ مَنَاوِرَ ومَضَاوٍ وقبابٍ معشقة كلها بزجاج مُلون يعكس ألوان الطيف؛ ويتحاضنُواْ معه، ويصهروا ذواتهم في ذاته، ويسكبوا من خلجاتهم مرايا تُظهر منه ما خفي، وتُقَرِّبُ ما بعُدَ. كل ذلك في شعرية تبتكر لُغتها وتندلعُ، وتُريق ألوانها وتتوهج. فهي شعرية تحتفي بالجسد، وتلدُ معجما لم يُولدْ في المعاجم مثله، وتفتح سكنا في أزمة الإسكان الشعري، وتُفجر عينا لم تُفسدها أنفاس النمطية القاتلة، وتُشكل عالمًا ثريا مُبهجا، فيه عجائبية EXOTISME وغرابة، وطرافة ودعابة، وبساطة و أناقة، ونفاذُ بصيرة لا يخلو من مفارقة.

إن الشعر الذي كتبه الشعراء عن الحمامات ـ كمركبات جمالية، وظيفتها إنتاج الجمال بكل صنوفه ـ ليس سوى إنتاج للذات في فرديتها وفرادتها، خارجة عن النسق الإبستيمولوجي الرسمي، والحصار الأونطولوجي المُشيَّء. فهو قفزةُ ذاتٍ شاعرة مسافرةٍ في سماء غير السماء التي يستسقفُها الشعراء الذي نصبهم تاريخ الأدب ممثلين للحساسية الشعرية العربية، وزكَّى نهجهم، وأغدق عليه من الثناء والثراء ما حجب نقيضَه، ووصمَ الخروج عنه بالضلالة والزيغ عن الصراط الشعري السَّوِيِّ.

 

س10- في عدد من الأشعار التي أوردتها في هذا الكتاب كان تشبيه الحمام بالجنة والنار معاً سمة بارزة، كقول ابن ميمون مثلا في وصفه (جنةٌ تُكرَهُ الإقامةُ فيها / وجحيمٌ يطيبُ فيه الدخولُ). في رأيك، لماذا تتكرر استعارة النار والجحيم واللهيب وأيضاً الجنة والنعيم في شعر الحمامات العربي؟

 

ج ـ تنهض الصورة ـ في الأشعار التي كُرِّسَتْ للحمامات ـ على دينامية التضاد التي تفتحُ الحواس وتُطلق المخيال، وتقطر الظلال في تناصٍّ صوفي، يجعل المتلقي يتماهى معها وكأنه صاعدٌ تارة في قبة روحانية، وتارةً هابطٌ في فراغٍ لاهبٍ  لا قرار له. وهذه الدينامية المتولِّدة عن تنافُس الأضداد لدى هؤلاء الشعراء تَعُودُ إلى اللامحدود، وقِوامُ العالم في الخارج الشعري يَعُودُ إلى التآلف المتوازن بين الأضداد، لأن الطبيعة تُحِبُّ الاختفاء و التلوُّن، ولذلك كان انهمامهم بالتناغم الخفي من الجليِّ، وكانت هذه الصور الحافلة باللمحات الذكية، والملاحظات المتعمِّقة النافذة إلى الجوهري والمحتجب. فهناك منهم من عدَّ دخول الحمام دخولاً في البارد والنار معا، ومن اعتبر المُدَلِّكَ مضارعا يُكلم الجسد بيديه، ومن شبَّهَ حرارة الحمام بأنفَاس العاشق، وفيض مائه بدمعه، وكلها صور يلعب فيها التناصُّ الصوفي لعبته، وتُمارس فيها بلاغة التَّورية سحرها.

إن الحمام هو جامعُ الضدين: الجنة والنار، الحزن والسرور، الموت والحياة، الضوء والظلام، الصيف والشتاء، الرَّحم والمَحشر، المقدَّسَ والمدنَّسَ. فهو صِنو الحياة، ومكان المفارقات، تدخل فيه مُدَنَّسًا (= متسخا) فتخرج منه مقدسا (مُطَهَّرًا). له خَدَمَتُهُ و آلاته وطقوسه، والقَوَمَةُ عليه من قَيِّمِينَ وَ مُدَلِّكين، وطباخين، ومُزينين ومُعالجين وسواهم ممن تتعلق مهنهم به، مثل المختصين في التجميل، وتقويةِ الأعضاء، وإنعاش عضلات الجسد لِتقاوم الترهل والضمورَ، وعلاجِ الشعرِ، وتدريمِ الأظَافِرِ، وما إلى ذلك من أمور تصبُّ كلها في إعطاء الجسد أُبَّهَةً لا منها أروعَ.

 

س 11- سؤال أخير، عثرت مؤخراً في إحدى المجلات المغربية القديمة على معلومة مفاجئة تفيد أنك كنت قد حصلت على جائزة لينين  للأدب والثقافة  في الذكرى المئوية لميلاد لينين.ما علاقتك بلينين الأستاذ آية وارهام وأنت الشاعر الصوفي العرفاني ؟

 

ج ـ إنك تجرني إلى استعادة تاريخ الغفلة الروحية، فأنا ولدتُ في مدينة مراكش التي تتنفس العبقَ الروحي، وتتزَيَّا بسَمْتِ المحافظة. لم أعش الطفولة كما أترابي من الأطفال، فقد قُمِّطْتُ بتصورات الأب الدينية والصوفية، وكانت مدارجُ طفولتي هي الكُتَّاب والمدرسة والزاوية، ولم أكد أضع قدمي على أول درجة في سلم المراهقة حتى شُيِّخْتُ، فصرت أَؤُمُّ بالناس صلاة التراويح، وأتصدر حلقات الذكر والأمداح الدينية في مختلف الأعياد والمناسبات التي لها صلة بالشأن الديني.

ولما جاءت المرحلة الجامعية تَحرَّرَ ذلك الطفل المشَيَّخُ، وانخرط بكل عنفوانه في المدِّ اليساري الذي كان آنذاك سمةَ الحياة الطلابية، من حاد عنه أو شَكَّكَ فيه نُبِذَ واضْطُهِدَ. ولكي يُثبت الشاب ل ( رفاقه) الخريجين (يساريته) وعمقَ معارفه (الماركسية اللينينية) تقدَّم إلى الجائزة المشار إليها بكتاب، فنالها.

وبعد النضج، وبلوغِ حكمة الأربعين تأملتُ ذاتي فإذا بي أجدُها راسفة في قيود العبودية، مُمَزَّعَةً بين اليسار واليمين، بين تطاحنات قطبي الحرب الباردة، لا إرادة لها خارجَ هذين الجحيمين اللذين يَقُطَّانِ العالمَ بسيف الشرور والمآسي, فهل أنا هو أنا حقا؟ هكذا تساءل فيَّ الطفلُ المشيخَُّ وتلا على وجداني:

أَتَمَنَّى عَلَى اُلزَّمَانِ مُحَالًا        أَنْ تَرَى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرِّ

وهكذا قررتُ أن أختار حريتي، و أن أنهج صوفية معاصرة من أجلي، ومن أجل الإنسانية المستعْبَدَةِ والمُغَرْغِرَةِ.

 

 

             

 

 

 

 

 

 

 

 



أضف تعليقا