أواب

الموقع الخاص بالشاعر و الكاتب الدكتور المغربي أحمد بلحاج آية وارهام

كتاب :شرْحُ رَائِيَّةِ الجُنَيْدِ في التصوف للشيخ أبي العباس أحمد التجاني 1

شرْحُ رَائِيَّةِ الجُنَيْدِ  في التصوف

للشيخ أبي العباس أحمد التجاني

(1150 هـ – 1230 هـ/1815م)

 

قدَّم له وضبطه وعلق عليه

أحمد بلحاج آية وارهام

 استفتاح:

 

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الفاتح
لما أُغلق والخاتم لما سبق .
اللهم أَظْهِرْ ظاهرنا بسلطان لا إله إلا الله ، وحَقِّقْ
باطننا بحقائق لا إله إلا الله.
 

الإهــــــــداء

إلى روح والدي شيبة الحَمْدِ الحاج إبراهيم بن إبراهيم بن الحاج عبد الرحمن الذي أدخلني محراب الصوفية وأنا طفلُُ ما بَقَلَ وجهي بعدُ، وتعهَّدني بالسقي الروحي إلى أن فاضت بالمحبة نفسي، وصارت أُسِّي. فقد كان – أكرم الله مثْواهُ – يُلبسني صباحَ مساءَ سُندُسَ القول،  ويقول : يا بُنيَّ كُنْ تجانيًّا ولا تُبَالِ ، فالمحبَّة ستعرِّفُك على ظواهر الأشياء وبواطنها، وستُريك ما لاَ يُرى، حتى تجده فيك، ويجدك فيه، فتكون حينها في حضرة النُّور المُطَلْسَمُ .

وإلى كافة مُرِيدِي الطريقة التجانية الذين يُنيرون القلوب في مشارق الأرض ومغاربها بأسرار " صلاة الفاتح " و " جوهرة الكمال ".

 

التــــقديـــم

في مباهج العقل الصوفي

يستدعي الحديثُ عن هذا الشرح التطرقَ أولاً إلى العقل الصوفي؛ باعتباره عقلا مستقلا عن العقل البرهاني ؛ ذي الأنظومات الصارمة التي لا تَعتبر ما سواها من الأنظومات الأخرى ، وكأنها العينُ الواحدة والوحيدة لإدراك الوجود وفهمه وتحليله، حتى أنه ليُخيل لمُتتبِّع مِيكَانِيزْمَاتِها وآلياتها أنها فضاء ديكتاتوري لا يرى إلا ذاته فحسبُ . وهذا هو ما جاءت الصوفية لِتُبَيِّنَ تَهافتَه ، فالعقل بكل مزاياه وجبروته ليس مؤهَّلا لإدراك الماورائيات ، والنفاذِ إلى أسرارها ؛ إذ لو كان كذلك لجعله الله من أوصافه العُلى وصفاته الحُسنَى ، وهو ما لم يقع . ومن ثمة رأى الصوفية أن العقل عقولُُ ، وأن أَسدَّها وأقوَمَها وأقربَها إلى فهم كُنهِ الماروائيات وأسرار الغيب هو العقل الصوفي ؛ الذي هو عقلُُ بصائري ذوقي ، يستمدُّ نورَه من حضرة جَمعِ الجَمعِ.

وهذا العقل لا يَظهر كمالُه وجمالهُ إلا عند أقطاب العارفين الذين صَافُوا فَصُوفُوا، فكُسِرَت أقفالُ أبصارهم وبصائرهم، ونُودُوا فَشَاهَدُواْ بعين اليقين ما أنطقهم بعلوم وَهْبِيَّةٍ تنكَسِف عندها العلوم الكَسْبِيَّةُ، وأنَّى لعلوم ساكنة في العبارة أن تنخرقَ لَهَا علوم ساكنة في الإشارة ؟! .

من هنا كان العقل الصوفي فضاءًا تنحلُّ فيه كل الإشكاليات التي تُؤرِّق الإنسانَ في الوجود ، وتتعالقُ فيه الأرضُ مع السماء تعالقًا توحيديا ؛ سِمَتُه الذوقُ والشوقُ والواردُ، ووضوحُ أسرار المَعِيَّةِ ، والصُّحبَةُ والغيبةُ والوجودُ، وكشفُ الأرواح ، وكشف عالمِ المِثَالِ، وسبرُ عالمِ المُلك والملكوت،  والكشفُ الكوني ، وما فوق السموات (1) .

فمن هذا التوحيد الوجودي يُشرقُ العقل الصوفي برؤًى تُجَدِّدُ الحياة على الأرض، وتضعُها في إيقاع متناغِمٍ مع الهدف الأمثل والمرجُوِّ منها ، وذلك لأنها رؤى متوهجَة بالحُبِّ ومشدودة إلى اللانهائي.

1-         عقل مؤسَّسُُ على الذوق القلبي:

إن الصوفي صاحبُ كيان خاصٍّ ، تتلبَّسه في معراجه الروحي أحوالُُ، فيتماهَى معها في لحظة مُعاناة خارقةٍ . ولذلك كانت الصوفية تجربة شخصية روحية حميمية فريدة بين الصوفي وبين الله ، لا تُقتبسُ ولا تُستَنسخُ، ثمرتُها المكاشفاتُ والأسرار والفيوضات والنفحَات والإشارات؛ التي يعجز عامة الناس عن فهمها ، إذْ لا يَعرفُها إلا من جرَّبها وتذوق حقيقتَها . أما غيره فلن يعرفها مَهْمَا وُصِفَتْ له حقيقتُها وفُسِّرَت ، فمثل الصوفي كمثل العاشق الذي سُئِل عن العشق فقال :<< كُونُوا مثلي تعرفوه>> ، وذلك لأن الأمور التي تتعلق بالوجدان لا تنفذ إلى النفس إلا عن طريق الوجدان. فالوجدان إذا امتلأ بالمحبوب انخلع العبد عن العالم الخارجي، بل حتى عن نفسه وإرادته ووعيه، وانطلق إلى أودية الفناء والمحو ، وعندئذٍ يُصبح مشمولا برعاية الله،  ورَهْنَ مشيئته،  فَيُريهِ من آياته الكبرى، ويُفيض عليه من الرقائق والدقائق ما لا يخطر على قلب بشر.

وهذا هو الفرق بين أهل العقول والعلوم البرهانية وبين أهل القلوب والأذواق العرفانية.  فالتجربة الصوفية هي ثمرة معرفة إلهامية حَدسِيَّة مباشرة بغير وسائط من مقدمات وقضايا وبراهين أو تجريب . إنها إدراك ذاتي لا يمكن تعميمُه ، ولا نقلهُ من إنسان إلى آخر إلا بمعاناة التجربة نفسها، فإذا كانت العلوم العقلية تُنالُ بالتعَلُّم والاكتساب فإن العلوم الصوفية ليس ممكنا وضعُ الحدود لها ، لأنها في صميمها إشارات ونفحات وبَوادِهُ وَهِبَات ، يغترفُها أهلها من بحر العطاء الإلهي الذي لا ينتهي مَدَدُه بمعنى أن هذه الإشارات هي لغات الله التي يتلقاها الصوفي في معراجه ، فتنكشف له الأشياء والحقائق . فالكشف منهج ذوقي خاص ، وإدراك وجداني مباشر يختلف عن الإدراك الحسي المباشر ، والإدراك العقلي المباشر ، فهو << بيانُ ما يستتر عن الفهم فيُكشف عنه للعبد كأنه رأي عين >>(2). فالمعرفة الصوفية الذوقية هي معرفة شهودية قائمة على ثلاثة خصائص ؛ عامَّةٍ مشتركة ؛ هي أنها :

أ- معرفة مُطلَقة مباشرة ولَحظيَّة ، تستعصي على التعبير .

ب- معرفة متميزة بالصدق والثبات .

ج- معرفة تتوحد فيها الذات بالموضوع . (3)

وبهذا يكون التراث الصوفي ؛ الموغل في أرض الإسلام منذ ظهوره؛  فهو ذلك العلم الروحي الذي أخذ مكانَه في قلب هذا الدين ، هو محفوظ حَيًّا ، ومتنقلُُ عبر سلسلة أهل الطريق (4) ، يَفتح للناس بُعدًا من العفوية ، تنجمُ عنه حرية فكرية واسعة ، وحاجةُُ إلى السعي اليومي ، وإلى حياة مُغْنِية ومنفتحة أكثر فأكثر ، ومُيَسِّرَة اللقاءَ بحضرة المُطلَق . فالصوفي ليس ثوريا بالمعنى المتداول في الحقل السياسي ،  وإنما هو مُجدِّدُُ ومنعش للحياة ،إنه يُجدِّدُ، ولكنه  لا يستخدم أبدًا وسائل العنف والعدوان تجاه الناس والعالم فهو يستعمل مناهج الإيقاظ والتبصير والمحبَّة ، ويُهاجمُ النفس الأمَّارة بالسوء، لكن دون الجسد ، وهذا شيء جوهري، لأنه يدرك أنه ما من ذرة في الوجود إلا وعليها اسم من أسماء المعبود. والمحققُ يرى الله تعالى في كل شيء، وفي أي مكان

سواء أكان منفردًا أو مع أسرته ، أو نائما أو طاعما أو مشتغلا بأية مهمة كانت، فالحضرة الإلهية موجودة على الدوام ، فإن غابت عنه تَوقفَ هو عن الحياة ، وهذه هي أعلى درجات الحقيقة . فكيف ينظر إليها المفكرون البرهانيون ؟

إنهم ينظرون إلى الحقيقة عند الصوفية باعتبارها تأويلا باطنيا لمعانٍ تتفق مع نزعاتهم،  قاصدينَ إثبات صحة آرائهم ، رغم أنهم يخالفون ما يهدف إليه المشرِّع من الدين . وهؤلاء المفكرون ينسون أن الصوفية بصنيعهم هذا يحاولون فهمَ الباعث والقصد والغاية من التشريع الإلهي والحكمة من ذلك ، فهذا هو المقام الأول عندهم . فالشريعة هي بمثابة الخريطة والدليل التي تُبْعِدُ عن الرسوم والأشكال إلى الاهتمام بالسلوك والإقبال على الأعمال . فإذا كانت الشريعة هي الرسم والخريطة والدليل ، فإن الحقيقة صِدقُُ وإخلاص في العمل والسلوك ولا يمكن أن يكتمل البناء النفسي إلا بهما ، فشريعة بلا حقيقة عاطلةُُ ، وحقيقة بلا شريعة باطلة . وذلك لأن الشريعة كالسفينة ، والطريقة كالبحر، والحقيقة كالدُّرِّ. فمن أراد الدُّرَّ ركب السفينة ، ثم شرع في البحر، ثم وصل إلى الدر ، فمن ترك هذا الترتيب لا يصل إلى الدر فالشريعة هي أوامرُ الله ورسوله ونواهيهما ، والطريقة هي الأخذُ بالتقوى مع قطعِ المنازل والمقامات ، وأما الحقيقة فهي الوصول إلى المقصد ومشاهدة نور التجلي ، كما قيل في الصلاة:  خِدمة وقُربة ووُصلة . فالخدمةُ في الشريعة ، والقُربة في الطريقة ، والوُصلة في الحقيقة (5)، والحقيقة في كشوفات العقل الصوفي.

فماذا يدرك هذا العقل إذن؟

إننا نعرف بواسطته << شواهد >>  الحق التي نستدل بها عليه ، إذْ لا

 يمكن لعقل أن يتوهمه ، بل به نستدل على << القدرة النافذة والمشيئة التامة>>فقط – كما يقول الجُنَيْدُ- ومن ثمة فإن التوحد مع الحق لا يكون بأداة عقلية محض، وإنما بأداة عقلية بصائرية . فالعقل المتعارف عليه لا يمنحنا إلا إمكانية معرفةِ الأشياء ، وتنظيمِ فعالياتنا ، وبناءِ قوتنا. أمَّا ما عدا ذلك فإنه يعجز عنه ، ولا يدركه ، وإذا حَاوَلَ فإنه يقع في مأزق الوهم . وعلى كلٍّ فإنه لا يصح النظرُ إلى الصوفية على أنها نقيضُُ للعقل ، فهي علمُُ من العلوم له ميدانه الخاص ، وأهدافه الخاصة ، ولا علمَ ينشأ وينمو خارج نطاق العقل ، ولكن أي عقل نقصد؟ فالعقلُ عقول ، ولذا لا يجوز أن يؤخذ علمُ الصوفية كنقيض للعلوم العقلية أو النظرية ، بل هو يتمفصل معها ضِمْنَ مجالٍ معرفي واحد (6)، دون أن يَنسَى جوهره الذي هو الحب .

 

اضطرابُه حُبُُّ  ومعراجُُ :

فالحب الإلهي هو جوهرُ الصوفية ، والخاصية المركزية الأولى عندهم ، ومضمونُ معارفهم : فطريقهم هو طريق الحب ، ولعل من أدق تعريفات هذا الطريق هو أنه طريق إلى الحق المطلق مُحرِّكُهُ الحب. وهذا الأمر يشمل كل الصوفيات التي اتخذت هذا الطريق وسلكَتْهُ في جميع الأديان،  فالمحبة عند الصوفية هي أهم أحوال العارف ، وأسمَى صفاته ، وهي من الأصول المهمة في مباني التصوف (7)، وقد أجمعت المصادر على أن رابعة العدوية (ت:581 هـ/108 م) هي أول من صدَعَ بنظرية في الحب الإلهي ، استمدتها من القرآن الكريم والسنة النبوية ، وفتحت بها بابًا جديدا في تاريخ الحياة الروحية في الإسلام ، حيث استعملت من غير تهيب كلمة ( الحب) في علاقتها بالله ، في الوقت الذي كانت في طوائف كثيرة تُنكر أن الله يُحِبُّ و يُحَبُّ على الحقيقة تبعًا لمفهومهم وتصوُّرهَم لمعنى الأُلوهة والصلة بين الله والعالم ، مع أن القرآن يقول: :) قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله((8)  ويقول : ) فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ((9).

فالصوفية لم يستبشعوا شيئا من معاني الحب ولوازمه عند كلامهم عن حبهم لله أو حب الله لهم ،بل اعتبروا ذلك الحب حقيقة لا مجازا ، لأنهم اختُصُّوا بها وعرفوها وجرَّبوها ،وشعروا بلذاتها . فـ << حقيقة المحبة أن تهب كلَّك لمن أحببت ، فلا يَبقى لك منك شيءُُ (…….) وسُميت المحبة لأنها تمحو من القلب ما سوى المحبوب >> (10) فالمحبة هي المحور الذي تدور عليه الحياة الصوفية والهدف الذي تتجه إليه ، لأن فيها تتحد إرادةُ المحب والمحبوب ، ويمَّحِي الفرق بين الجبر والاختيار ، حيث الوحدة الشهودية هي غاية هذا الحب الذي أساسه الجمال . فمحبة الله تقتضي رؤية الجمال أينما كان،  وحيثما كان ، ولذا نجد الصوفية هم أشد الناس هياما برؤية الجمال في كل موجود له صورة الجمال، لأن علامة الحب الإلهي عندهم هي حب جميع الكائنات في كل الحضرات المعنوية والحسية والخيالية ، وهذا يعني أنهم لا يكفيهم أن يتحققوا بمقام الجمال للحب والله ، بل لا بد أن يحبوا الجمال في كل مظهر من مظاهر الوجود ، فحبهم الجمال لا يقتصر على صورة بعينها دون أخرى ، لأن كل مظاهر الوجود هي مظاهر جمالية بالأصالة ،لأنها مظاهر تجلى اللهُ فيها بجماله من اسمه الجميل (11) ، أما القبح فهو عارض في العالم ، والعارضُ حُكمُه الارتفاع . ومن هذا الوجه تتوثقُ علاقة الحب بالجمال لسببين:

 أولهما : أن الحب هو علة وجود العالم.

ثانيهما: أن الجمال هو الصورة التي ظهر عليها العالم .

واندغام الصورة في العِلَّةِ يتطلب الرحلةَ، والرحلة لا تكون إلا روحية. وهذا هو ما يسمَّى بالمعراج الروحي الذي هو أخصُّ خصائص الصوفية ،وهو محاكاة للمعراج النبوي الذي هو الأصل الكبيرُ الذي بُنيتْ عليه الصوفية ، وأُسِّسَ عمادُها المتينُ، وله تسميات كثيرة ، من قبيل : السفر والطريق والرحلة والسير والسلوك والإسراء . والغاية منه القرب من الله عن طريق حالة خاصة يُدركونه فيها إدراكها ذوقيا مباشرًا ، فهو ينطوي على جوهر الحياة الصوفية بجانبيها المختلفين المتمايزين والمتكاملين : الجانب العملي والجانب العرفاني (=جانب المجاهدة والتخلية والتحلية والتجلية والكشف والإشراق).

فالنشاط الصوفي من هذه الوجهة هو نشاط روحي ، ولكنه ليس واحدًا من ضروب النشاط العقلي المعروفة ، وإنما هو شيء فوق الوعي العقلي ، يُمكن ان نسميَه تحديدًا بالوعي المتعالي(12) .فبآلية المعراج الصوفي ينتقل الصوفي من عالم الظاهر إلى عالم الحقيقة ، أو من عالم الأرض إلى عالم السماء (= من عالم الشهادة إلى عالم الغيب) ، وأساسُ هذا التصور يكمن في أن الله هو الحقيقة الوجودية المطلقة ، وهو أصلُ كل موجود ومصدرُه ، والصوفي حينما يطلبه بالصعود  إليه إنما يطلب أصلَه، ولكن هذا لا يَتأَتَّى له إلا إذا تحولت نفسُه عن صفاتها ، وتخلصت من أدرانها وكُدُورَاتِهَا ، وتحررت من قيودها ، فكل عروج يعرجه رهين بالخطوات الجديدة التي يخطوها في طريق التصفية والتطهير .

فـ<< الله هو عينُ الوجود >> (13) المفارقُ ، وعينُ كل موجود من حيث حقيقة وجوده ، لا من حيث شَيْئيتُه ، بمعنى أن وحدة الوجود الصوفية ماهي إلا وحدة الشهود التي هي وحدة روحية لا مادية ،عكس الوحدة المادية الاندماجية في الفكر الغربي ، لأنها لا تتعلق إلا بحقيقة الله الأزلية السرمدية اللانهائية ، ولا شأن لها بالمخلوق العدمي . فالواحد الحق ليس الخَلْقَ،  والخلق ليس الحق ،وليس ثمة حلول للحق في الخلق ، ولا امتزاج بين الطبيعتين الحق والخلق. فالخلق عدمُُ ، والله هو الحق السرمدي للخَلْق العدمي ، والوهم الوجودي مَرده إلى خلط الحق مع غير الحق ، وهذا الخلط مرده إلى الجهل(14).وهذا هو ما عبَّر عنه ابن عربي بقوله : إن الصوفي << إذا عرج في معارج الحقائق ، وحصَّل ضربًا من مكاشافات اتحاد الرقائق والدقائق ، وصَحَا بعدما سَكِرَ، ونُشِرَ بعدما قُبِر ، لابد من ملازمة الأدب وتَبايُنِ الرُّتب ، ومعرفَةِ النِّسَب ، الوقوف عند العلة والسبب >>(15)

إن هذا التوهج العشقي الصوفي الممتدَّ على مساحات الذوق الفردي والتجربة الخاصة ليس انفلاتة اعتباطية ، ولا فورة استيهامية ، وإنما هو رؤية بصيرة بالأصل ، منشدَّةُُ إليه ، محكومةُُ به . ولذلك حُدِّدَت لها مَعالمُ وضوابطُ تؤطِّرُها في إطار المشهد الروحي المطلق .

 

2-            مــعـالــم مَـشْـهَـــدِه :

وأول من قام بهذا التأطير إمامُ الصوفية الشيخ الجُنيد ( ت : 792 هـ/019 م)، فهو قد وضع نظرية في التوحيد ، حدَّدَ فيها معالم المشهد الصوفي ، ومعالمَ طُرُقِه ، وتتلخص هذه النظرية في ثلاثة محاور مركزية يدور عليها مُجْمَلُ تفكير الصوفية ؛ وهي :

·      الميثاق

·      التوحيد .

·       الفناء .

وهذه المحاور الثلاثة لا يمكن إدراك أيِّ واحد منها إلا بإدراك علاقته مع الآخر . وذلك عن طريق التمييز بين وجودين للأنفس : وجودها بالله وله ، ووجودِها لذاتها وللأشياء . فالوجود الأول هو أول العوامل التي تكونت ، حيث كانت النفوس في عالم الأرواح (= عالم الذَّرِّ) ، وفي هذا الطور كانت الأنفس غير موجودة إلا بوجود الحق لها ، أي أنها كانت موجودة بالحق ، ويلي هذا الطورَ طورُُ آخر هو وجود الأنفس لذاتها ، أي وجود الخلق .

ويتم الخروج من عالم الحق إلى عالم الخَلق تنفيذًا للمشيئة الإلهية . فالإنسان في وجوده الدنيوي موجود من جهة ، ومفقود من جهة أخرى ، فهو موجود برسومه ومعانيه وآثاره وصفاته ، أي أنه موجود للأشياء ، غير أنه مفقود عن وجوده بالحق، لذلك فهو في توق دائم إلى التوحُّد معه ، أي إلى التخلص من حالة الفَرْقِ إلى حالة الجمع ، ولا يتحقق له ذلك إلا إذا فنيت النفسُ عن كل شيء ، وعن كل فعل لها ، وعن كل معنى ، وبمقدار ما تفنى عن كل رسم ومعنى يكون لها البقاء الآخر(16) . والبقاءُ هو أن يَقوُم الحق عن النفوس ، وأن تبقَى هي به وله . وهنا فقط يتعالى الإنسان إلى حقيقة الحضرة،  ويرجع آخره إلى أوله ، ويصبح في حالة الجمع مع أحدية الحق ، وينفتح من ثَمَّ أمامه الغيبُ الذي هو ذوق، وهذا هو معنى التوحيد فالتوحيد إذن يُعادل الفناء ، فمعنى أن توحده هو أن تَفْنَى فيه كُلية ، والفناء هو العمل بميثاق الله . فالإقرارُ بالوحدانية ونفيُ الأضداد وكلِّ الأشياء يعني نفيَ الفعل عن كل ما سوى الله . إنه تدَرُّجُُ في الفناء عن الحال والرؤية بأربعة أوجهٍ ؛ هي :

1-         وجه يُمثل ذهابَ رؤيةِ الأرباب والأشكال والأنداد .

2-         وجه يمثل ذهابَ رؤية الأرباب مع إقامةِ الأمر والانتهاء عن النهي في الظاهر .

3-         وجه يمثل ذهابَ رؤية الأرباب مع إزالةِ مُعارَضات الرغبة والرهبة من سواه .

4-     وجه يمثل قيامَ العبد بين يديه شبحًا ليس بينهما ثالث ، وذلك بذهاب حِسِّه وحركاته ، لقيام الحق له فيما أراد منه . والعِلمُ في ذلك أنه رَجَع آخرُ العبد إلى أوله (17). وبهذا يتضح أن العلم بالغيب لا بد فيه من رجوع الموجودِ بغيره إلى الموجود بذاته ولذاته ، ولا طريق إلى هذا إلا طريق الصوفية وذلك لأن غاية هذا الطريق هي الوصول إلى إدامةِ البقاء هناك ، حيث الإطلاع على مكنونات عِلمه . فالعارفُ الصوفي-كما يقول الجُنيد في رسائله – هو<< من نطق عن سِرِّك وأنت ساكت >> و << نَطقتْ غيبتُه عن حاله >>. ولا يكون كذلك إلا إذا تَطَهَّرَ بماء الغيب، فما هو هذا الماء ؟ وما هي خصائصه ؟ وما سرُّ إضافته إلى الغيب ؟ .

 

4-تَطَهُّرُه بِماءِ الغيب :

إنها بعضُُ من الأسئلة العميقة التي أثارتها الأبيات التالية للإمام الجنيد (512هـ 792 هـ/910 م) (18) في الأوساط الفقهية والصوفية منذ قالها إلى الآن ؛ وهي:

تَطَهَّرْ بِمَاءِ اٌلْغَيْبِ إِنْ كُنْتَ ذَا سِرِّ

وَإِلاَّ تَيَمَّمْ بِاٌلصَّعِيدِ وَباٌلصَّخْرِ

وَقَدِّمْ إِمَامًا كُنْتَ أَنْتَ إِمَامَــهُ

وَصَلِّ صَلاَةَ اٌلْفَجْرِ فِي أَوَّلِ اٌلْعَصْرِ

فَهَذِي صَلاَةُ اٌلْعَارِفِينَ بِرَبِّهِمْ

فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَاُنْضَحِ اٌلْبَرَّ بِاٌلْبَحْرِ

فقد وقف أمامها الفقهاءُ حائرين منشدهين ، لما وردَ فيها من مَعانٍ لا تتفق بتاتا مع ما دَرَجُوا عليه من علوم الظاهر ، فهي تخرق كل مفاهيمهم الفقهية ، وآلياتهم العلمية …لكن الصوفية تقبَّلوها بقبول حسنٍ ، واغتبطوا بها أيَّما اغتباط ، واستنبطوا منها علومًا ذوقية عاليةً ما كانت لتخطر على بــال الفقهاء . فصاحبُها هو تاج العارفين ، وشَمْسُ الأقطاب ؛ الذي على نهجه السالك وصلوا إلى الحضرة فطابت لهم السّكرة والصحوة ، وعرَّسُواْ هناك ، فكان لهم وقتان لا ثالث لهما : سكرُُ وصحوُُ، فالسُّكْرُ هو ملاحظة الحق على دوام الوقت ، والصحو هو الغِنَى عن الخلق بالحق . وفي هذا المعنى كتب يَحيى بن معاذ إلى أبي يزيد البسطامي (ت 162هـ/478 م) ما نَصُّه: " سكرتُ من كثرة ما شربتُ من كأس محبة الله "، فأجابه البسطامـي: " غيرك شرب بحور السموات والأرض وما رَوَى بعدُ، ولسانه خارجُُ من العطش ، ويقول : هل من مزيد" (19) . فهم في اضطرابٍ وخوفٍ من الجفاء والهجران، ومن أَلاَّ يُشْرَبُواْ صِرْفًا ، وكأَنَّ الجنيد نطق بحالهم حين قال:  ( الكامل)

مَالِي جُفِيتُ ، وكُنْتُ لاَ أُجْفَى       وَدَلاَئِلُ اٌلْهِجْرَانِ لاَتَخْفَـى

وَأَرَاكَ تَسْقِينِي ، وَتَمْزِجُنِـي       وَلَقَدْ عَهِدْتُكَ شَارِبِي صِرْفَا (20)

مثل هؤلاء الأقطاب هم الذين تصدَّوْاْ لشرح هذه الأبيات الرائية للجنيد،  لأنهم أَلْفَوْهَا تنطق عن أحوالهم، وتترجم عن مواجيدهم ، وتُبِينُ عن سِرِّ أسرارهم الفائضة من الحضرة القدسية . وسنَشير إلى هذه الشروح وأسمائها، وأسماء مؤلفيها ومكان وجودها، بعد نسبة الرائية للجنيد، وذلك في الفقرات التالية :

نسبة الرائية إلى الجنيد :

لقد ذهبت أغلب المصادر التي تعرَّضت لحياة الجنيد وإنتاجه العلمي إلى نسبة هذه الرائية له ، لكن هناك فئة من العلماء تَعْزُوهَا إلى الشيخ ابن عربي كالشيخ أحمد بنعجيبة (ت:1224 هـ)، وإلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي (ت:656 هـ ) كالإمام الشعراني في طبقاته الكبرى ، وإلى أبي مدين الغوث (ت:580 هـ) (21).

 



أضف تعليقا