أواب

الموقع الخاص بالشاعر و الكاتب الدكتور المغربي أحمد بلحاج آية وارهام

كتاب :شرْحُ رَائِيَّةِ الجُنَيْدِ في التصوف للشيخ أبي العباس أحمد التجاني 3

.4 أسباب اختياره :

لقد دعتنا إلى الاهتمام بهذا الشرح ، وإبرازه ، والعمل على نشره الأسباب التالية :

1-تمثيلُه لعصر الشيخ التجاني ؛ الذي هو عصر المعرفة الصوفية بامتياز ، وعصرُ السلفية اليقِظَة التي كان على رأسها السلطان العالم المولى سليمان ، حيث تلاقى التياران في بؤرة واحدة ضَمِنَت الأمن الروحي للناس ، وجعلتهم يُمارسُونَ السلوكَ الصوفيَ المُعافى من الانزلاقات والانحرافات ، مما جعل المغرب في ذلك العهد منارةَ إشعاع صوفي سُنيٍّ، مُصانةً من الخرافات وأفانين التدجيل التي كان يُشِيعُها مُسْتَصْوِفُونَ ذئابُُ في جلود حِمْلاَنٍ قصد صيدِ الأغرار واكتساب المال والجاه .

2-تبيينُ طريقةِ الصوفية المغاربة في تحليل النصوص ، واستخراج معانيها ، والتفنُّن في تقريبها إلى المريدين .

3- المقارنةُ بين منهج الشيخ التجاني في استكناه أسرار هذا النص ، ومنهج غيره من الذين شرحوه .

4- دلالتُه على علو كعب الشيخ في علوم الشريعة والحقيقة ، وعلى طريقته في التربية الروحية .

5- عدمُ معرفة الكثيرين من المريدين التجانيين به ، فهم يعرفون << جواهر المعاني >> الذي تضمَّنه ، ويعرفون أذكار الطريقة التي احتوى عليها ، ولكنهم لا يعرفون هذا الشرح . فقد سألنا الكثيرين منهم في البلدان التي زُرْنَاهَا كموريطانيا والسودان وسوريا ومصر عن الشرح المذكور فنفَوا معرفتَهم به ، إلا قلة قليلة من المقدَّمين ، وكذلك كان الشأنُ مع الذين التقينا بهم في لقاء (شاكر ) الأول للصوفية بمراكش .

ولهذه الأسباب كلها استخرنا الله ، وعملنا على نشره احتسابًا وزُلْفَى له سبحانه وتعالى.

ج.5 مميزاته :

يتميز الشرح بلغته الفائضة من حياض النور الأَقْدَسِ ، فهي تحمِل نَفَس الشيخ الذي لا مُشابِه له، وتدل عليه ، مما يجعل منها لغةَ ذاتٍ ذائبةٍ في التجربة الروحية ، لا لغةَ وصفٍ خارجي . إنها لغةُُ تضعنا في أفق التحقق بالله عز وجلَّ ، وتستنهض فينا طاقة المحبة والعزم والإرادة القوية من أجل التعبُّد . إذْ بهذه اللغة المتميزة والمخالفة يشعر المتلقي بتحولٍ في كيانه ، وبهيبة واضطراب ، فتمسُّه نَفْحَة صوفية لم يكن له عهدُُ بها من قبل ،وهذا هو الغاية . إذ التصوف كله ما هو إلا اضطرابُُ وعروجُُ ، فإذا وقع السكون فلا تصوف ، والسرُّ في ذلك هو أن الروح مجذوبة إلى الحضرة الإلهية ، ومتطلعة ومنجذبة إلى مواطن القرب الإلهي ، ولا بد للصوفي والمريد من دوام الحركة والتفكُّر . وفي معنى التصوف هذا يندرج الشرح ، فهو يَجمعُ جميعَ المتفرَّعِ في الإشارات والعبارات ، وفي التقلبات داخل أرض الأحوال ، وفي الارتقاء في معارج المقامات ، الأمرُ الذي يُبصِّرنا بأن الصوفي الكامل لا يقيده وصفُُ أو يحبسه نعت (45).

كما يتميز بتفصيلِه لأنواع العقل ، وبيانِ أشرفها وأحبِّها إلى الله تعالى. فهو من هذه الناحية يُصَحِّح ما درجنا عليه من مفاهيم العقل ، ويُذكِّرنا بأن العلم الذي يطالبنا به الكتاب والسنة لا يراد منه اليقين الفلسفي ، وأن البرهانَ ليس هو الأداة الوحيدة لتوليد المعرفة اليقينية لدى الإنسان.فهناك العقل الصوفي الذي له منهج

دقيقُُ ، معتمدُُ على الكتاب والسنة النبوية والإلهام الرباني الصادق ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم :إن << العقل لا غاية له ، ولكن مَنْ أَحَلَّ حلالَ الله وحرَّم حرامه سُمِّيَ عاقلا >>(46) ، وقال أيضا : << قسم الله عز وجلَّ العقل على ثلاثة أجزاء ، فمن كُنَّ فيه كَمُلَ عقله>>(47) ، وهذه الأجزاء الثلاثة هي التي تناولها الشرحُ بعمقٍ صوفي فريدٍ ، حيث أبرزَ أن العقل الصوفي هو << طورُُ فوق طور العقل >>

ج.6 طريقة العمل فيه :

لقد قارنا بين النسختين : المخطوطة والمطبوعة ، وأشَرْنَا إلى ما بينهما من فروق طفيفة جدًّا،  وضبطنا النص في المواطن التي خِلنا أنها تستوجب الضبط ، ورقمناه ، وخرَّجنا آياته وأحاديثه ، ووضعنا عليه تعليقاتٍ قاصدين بها توسيع أفق القارئ العادي الذي لم يتمرَّس بهذا النوع من الخطاب .

والله نسأل أن يتقبله مِنَّا خالصا لوجهه ، وأن ينفع به الناس مادامت السموات والأرض ، إنه سميع مجيب .

 

أحمد بلحاج آية وارهام                        14 محرم 1430 هـ/11يناير2009م

الشـرح

 

 

اعلم (48) أنه وردَتْ أسئلة على سيدنا – رضي الله عنه ، وأرضاه ، ومتَّعَنا برضاه – فأجاب عنها ؛ منها قوله :

تَطَهَّرْ بِمَاءِ اٌلْغَيْبِ إِنْ كُنْتَ ذَاسِرِّ       وَإِلاَّ تَيَمَّمْ بِاٌلصَّعِيد وَباٌِلصَّخْـــرِ

وَقَدِّمْ إِمَامًا كُنْتَ أَنْــتَ إِمَامَـهُ       وَصَلِّ صَلاَةَ اٌلْفَجْرِ فِي أَوَّلِ اٌلْعَصْرِ

فَهَذِي صَلاَةُ اٌلْعَارِفِيــنَ بِرَبِّهِمْ        فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَاٌنْضَحِ اٌلْبَرَّ بِاٌلْبَحْرِ(49)

قال رضي الله عنه : اعلم أن ماء الغيب الذي أشار إلى التطهير به هو الفَيضُ الأكبرُ الفائض من حضرة القدس (50) ؛ الذي هو حضرة اللاَّهُوتِ ، ويُعَبَّرُ عنه عند العارفين بالفتح ، فإن تسميتَه بالفتح فيه تَسَامُحُُ ، فإن الفتح هو زوال الحُجُب الحائلةِ بين العبد وبين حضرة القدس ، وهي مائةُ ألفِ حِجابٍ وخمسُُ وستون.

 

ألْفَ حِجَابٍ (51) . وزوالُ هذه الحجب بأسرها هو الفَتْحُ لأنه فتحُُ عن انغلاق ، فإن العبد قَبْلَه كان بمنزلة من انحَصَرَ في بيت عِليظة الحِيطَانِ (52) والسقف ، ليس فيها مَنْفَذُُ للضوء من الطِّيقَانِ (53) ، لا قليلُُ ولا كثيرُُ ، ومن ورائها بيوتُُ مضروبة فوقها وحولها ، كل بيتٍ مُنغلقةُُ ما فيها من الطِّيقان ، ومثل البيوتِ المترادفةِ على البيت الذي فيه العبدُ مائةُ ألفِ بيتٍ وخَمْسُُ وستون ألف بيتٍ ، كل بيتٍ لا مَنْفَذَ فيه للضوء (54) ، والعبد مُنحصرُُ في هذا البيت لم يَرَ إلا ظَلامًا . فإذا انهدمت البيوتُ كلها دُفْعَة واحدة فذلك (55) مِثَالُ الفَتحِ ، والفيضُ الذي يَرِدُ عليه بعد الفتح بِمَنزِلةِ ضوءِ الشمسِ إذا انهدمت البيوتُ المضروبةُ عليه بالنهار ، ورَأَى (56) الشمسَ طالعةً صَاحِيةً ، فلا شك أنه لا يَبْقَى معه شيء من الظلام لإشراق ضوء الشمس عليه . فالفيض الوارد عليه ؛ بعد الفتح من حضرة القدس ؛ عند دخوله في ذات العبد يتطهر بسببه من جميع الأخلاق والأوصاف والنعوت البهيمية والطبيعية والشيطانية ،مثل : الكِبْرِ ، والعُجَبِ ، والرِّيَاءِ ، والتَّصنُّعِ ، والمَيلِ لغير الله تعالى ، وحُبِّ الدنيا ، ونِسيانِ الآخرةِ ، والكذب ، والبُهتانِ ، والخَدعِ ، والمَكْرِ وحُبِّ المَحْمَدَةِ ، وبُغْضِ الَمَذَمَّةِ ، إلى غير ذلك من الأوصاف  والأخلاق المذمومةِ المذكورة في كُتبِ أَهْلِ الشرائع الظاهرة . فعند ورُودِ ذلك الفيض(57) على العبد يتطهر من جميع الأوصاف المذكورة ، لا يَبْقَى فيه من الأوصاف لا قليلُُ ولا كثير ، يَهْدِمُها عَيْنًا وأَثَرًا . وبسبب ذلك الفيض يتصفُ بأضداد الصفات المَمْحُوَّة من صفات الملائكة والرُّوحَانِيِّينَ والنَّبِيِّينَ ، ويصيرُ بسبب ذلك كأنه من جِنْسِ الملائكة، بِمَا فيه من حُبِّ الله ، وحُبِّ رسولِــــــه لذاتـه ، والقيامِ بالآداب مع الله ، ومحْوِ التعلُّقِ بغير الله ، والزُّهْدِ في كل ما سواه ، ونِسْيَانِ الدنيا (58) وأحوالها ، ونسيانِ الآخرة ونعيمِها (59) ، والحُبَّ في الله ، والبُغضِ في الله ، إلى غير ذلك ، وهي كثيرةُُ، ولَمَّا كان هذا الفيضُ متى وَرَدَ على العبد لا يُبْقِي من أوصافِه المذمومةِ لا َعَيْنًا ولاَ أَثَرًا ، وَلاَ يَتَأَتِّى أن يَرِدَ على العبد وتَبْقَى فيه بقيةُُ من تلك البَقَايَا ، فلذلك حَضَّ الطالبَ على التَّطْهِيرِ بمَاءِ الغيب الذي هو الفيضُ الأَقْدَسُ، لأنه لا يُبْقِي من المذمومات لا قليلاً ولا كثيرًا.

فهذا ماءُ الغيب الذي حَثَّ الطالبَ عليه ، وأَمرَه بالتطهير به ، لأن ذلك التطهيرَ لا يُماثِلُ التطهيرَ الذي يَكُونُ بِتَعَمُّلِ العبد ، فإن التطهير الذي يكونُ بتعمُّـل العبد (60) يُداخِلُهُ الخَلَلُ والنقصُ ، مِنْ حَيْثُ ملاحظةُ العبد لِعَينِه ، ورؤيَتُهُ لِعَملِه ، ولأجل هذا لا يكون ذلك التطهيرُ مُوفِيًا بالمقصود . وأمَّا التطهيرُ بالفَيْضِ الأَقْدَسِ فإنه يأتي قَهْرًا عن تَجَلٍّ إِلَهِيٍّ ، لا مَدْخَل فيه للعبد ، يَهْدِمُ قواعدَ الرسومِ البشريةِ ، ويُخْرِجُ  العبدَ عن ملاحظتِه ورؤيتِه وإدراكاتِه ، ويُلقِيه في بَحْر فَنَاءِ الفناءِ (61) ويَقذِفُه في البحر الأعظمِ ، والسرٍّ الأَكبَرِ (62) المُشار إليه بقوله صلى الله عليه  وسلم : << إن الله خلق آدم على صورته >>(63) ، ويَقذفُه في بَحرِ قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي : << لَمْ تَسَعْنِي أرضي ولا سمائي ويَسَعُنِي قَلْبُ عبدي المومن >>(64) ومعاني هذين الحديثين لا تُدْرَكُ باللَّفْظِ ، ولا تَكْشِفُ العبارة عن معانيهما شيئا ، وإنما هي أسرارُُ عَالياتُُ ، وفيوضُُ أَقْدَسِيَّاتُُ يَهبُهَا الله لمن أحبَّه واصطفاه من عباده ، فيُدركُ أسرار هذين الحديثين (65) ذوقا (66) حقيقيا ، وإدراكًا يَقِينِيًّا ، لا يحتاجُ فيه إلى العِبارة ، ولا يَفْتَقرُ فيه إلى الرموز بالإشارة ، وبسبب ذلك يكون عارفًا بالله كاملاً ، وعَبدًا مَحْضًا خالصًا ، وأدْرَكَ بسبب ذلك التجليَ الأكبرَ الذي لا حَدَّ له ولا غاية ، وأحاط العبدَ بِعَيْنِهِ ، وعَرَفَ بسبب ذلك وجودَ الدنيا والآخرة ، ولماذا وُجِدَتَا (67)؟ وماذا يُرادُ بهما ؟ . وهذا الفيضُ هو التطهيرُ الكاملُ الذي مَنْ عَثَر عليه قِيلَ فيه : عَبدُُ وَاصِلُُ.

         وقوله : << إِنْ كُنْتَ ذاسِرٍّ>>معناه : تَطَهَّرْ بهذا التطهير الأَقْدَسِ المُعبَّر عنه بماءٍ الغيب  إِنْ كنتَ ذَاسِرٍّ ، فإن هذا الفيض الأَقْدَسَ ، والفتحَ المتصلَ بِهِ لا يَرِدُ إلا على أهل الأسرار ، لاَ لِمَنْ عَدَاهُمْ . والسرُّ هَاهُنَا هو فيضُُ من الأنوار الإلهية يَرِدُ على العبد قبل الفتح ، إذا سَرَى في ذاته وقلبه حَمَلَ العبدُ (68) الذات على طلب الحق ومُتابعته ، وَمَنَعَهَا من الباطل ومُتَابَعتِه عملاً وحالاً . فالمرادُ بقوله (إن كنت ذا سر ) يَعني أنه لا يَرِدُ على العبد ما ذُكِرَ من الفتح والفيض الأَقْدَسِ إلا إِذَا وَرَدَ عليه السرُّ المذكورُ قَبْلَهُ ، وإن لم يَكنْ ذَاسرٍّ فلا مَطْمَعَ له فيما ذُكِرَ من الفتح والفيض الأقدسِ ، ولذا قال الناظمُ: << وإلا تيمَّمْ بالصعيد وبالصخر>> ، أشار بالصعيد والصخر إلى ظواهر الشرع التي يكون التطهير بها بِتَعَمُّلِ العبد وتَكَلُّفِهِ ، على حَدِّ مَنْ فَقَدَ الماءَ للوضوء صَرَفَه الشارع إلى التيمُّمِ  نيابةً عن الماء ، ومعلومُُ أن طهارة التيمُّمِ ليست كطهارة الماء ، وإنما تَجُوزُ به للضرورة ولِفَقْدِ الماءِ الذي هو غاية المراد . كذلك قال الناظم للطالب إِنْ كنتَ من أرباب الأسرار فتطهَّرْ بماء الغيب ، لأنه التطهير الكلِّي المُوفِي بغاية المقصود ، إِذْ بسبب هذا التطهير يَكُون العبدُ مَلَكِيًّا ربانيًّا ، وعبدًا مَحْضًا إلهيًّا ، وحَصَلَ على التجلي الإلهي إذا تجلى له الجبَّار من أستار غَيْبِهِ . فقد قال بعض الأكابر (69) : إذا تَجَلَّى الله لعبدٍ (70) مَلَّكَهُ جميعَ الأسرار ، وألحَقَهُ بدرجة الأحرار ، وكان له تصرُّفُُ ذاتي. وهذا العبد هو الذي عَبَّر عنه أبو القاسم الجُنيدُ رضي الله عنه بقوله لَمَّا سُئِلَ عن المُحِبِّ قَال : هو عَبْدُُ ذاهبُُ عن نَفْسِهِ ، مُتَّصِلُُ بِذِكْرِ ربه ، قائمُُ بِأَدَاءِ حَقِّهِ ، نَاظِرُُ إليه بقَلْبِه ، أَحْرَقَتْ قَلْبَه أنوارُ هُوِّيَتِهِ ، وَصَفَا شرابُه من كأسِ وُدِّهِ،  وتَجَلَّى له الجبَّارُ من أستار غَيْبِهِ . وهذا العبدُ هـو الذي يَكُون  قلبُه مَعَبَّرًا عنه بالبيت المُحَرَّمِ(71) ، يَحْرُمُ على غير الحق دخولُه ، وكل هذا أوصله إليه التطهيرُ المذكورُ ، وإِنْ لم تَكنْ أيها الطالبُ من أرباب الأسرار فتطَهَّرْ بالصعيد وبالصخر كالذي فَقَدَ الماءَ ونَزَلَ للتيمُّمِ ، وهذا التطهيرُ بالصعيد وبالصخر هو المعبَّرُ عنه (72) بقوله صلى الله عليه وسلم :<< تخلَّقوا بأخلاق الله >> (73) وبقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي مُخبرًا عن الله تعالى :<< هذا دين ارتضيتُه لنفسي ولِمَنْ أُحِبُّ ، ولن يُصلحَهُ إلا السخاءُ والتكرُّمُ ، فأَصِلِحُوهُ بالسخاء والتكرُّمِ مَا صَحِبْتُمُوهُ >>. وقوله صلى الله عليه وسلم : << إن الله يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمور ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا >>(74) ، وقولِه صلى اللهُ عليه وسَلَّمَ : << اسْتَحْيُواْ من الله حَقَّ الحَيَاءِ ، قَالُواْ إِنَّا نَسْتَحِي والحمدُ لله ، قال : ليس ذلك كذلك ، ولكن (75) الحياء أن تحفظ  الرأسَ وَمَا وَعَى، وتَحفَظَ البطنَ ومَا حَوَى ، وْلتَذْكُر الموتَ والْبِلَى ، فَمَنْ فَعَلَ ذلك فقد اسْتَحيَى من الله حـق الحياء >>(76) إلى غير ذلك من الأحكام المتفرقة في الأحاديث النبوية والآيات القرآنية . فَعَلى العَبْدِ مُلاَزمَتُها ، والدؤوب(77) على ما يَقدِرُ عليه منها ، بدَوَامِ معانقة الذِّكْر معها ، ونَعْنِي بالذكر الذي يَكُونُ بتَلْقِينِ شيخٍ واصلٍ(78) لا الذي يأخذُه العبدُ باختياره ، مع دَوَامِ الاستناد بالقلب إلى شيخ كاملٍ ، فَإِنَّ بِدَوَامِهِ عَلى هذه الأمور يَصِلُ العبد إلى أن يُنَازِلَه السرُّ الرباني ؛ الذي بسببه يَصِلُ إلـــى التطهير الأكبر المذكور أولاً ؛ الذي هو غايةُ الغايات ، ومُنتهى الرغبات المعبَّر عنه في الإشارة عن الله ، يُقال عنه : << من كشفتُ له عن صفاتي  ألزمته الأدب ، ومن كشفتُ له عن ذاتي ألزمتُه العَطَبَ >>(79) ، وهذا العطبُ هو غايةُ منتهَى الأَرَبِ ، ومُنتهَى مطلبِ العبد ، فإن هذا العطبَ هو مَحلُّ الاستهلاك والمَحْقِ، حيث يُسلَب  العبدُ من أوصافه البشرية ، ويُلبَسُ خِلْعَةَ الاتصافِ بالأوصافِ الربانيَّة ، ويكون عَيْنَ العينِ ، حيث يَنْمَحِقَ الفَرْقُ واٌلْبَيْنُ(80)، وهذا هو المعبَّرُ عنه بجَمْعِ الجَمْعِ، فهذا معنى قوله : << وإلا تَيمَّمْ بالصعيد وبالصخر >> .

وقوله: << وقدِّمْ إمامًا كنت أنت إمامَه >> معناه أن الإمام الذي يَلزَم تقديمُه هَاهُنا يَصحُّ أن يقال فيه هو الشارع صلى الله عليه وسلم ، ويَصحُّ أن يقال فيه هو العقلُ . فأمَّا إنْ قُلْنا هو (81) الشارع صلى الله عليه وسلم ، فَمَعْنَاه حيث وصلتَ أيها العبدُ إلى التطهير بماء الغيب المذكور ، وحصلتَ على غَايتِه، وأردتَ الصلاة لربك ، فقدِّم الإمامَ الأكبرَ ، والقُدْوَةَ العُظمى الأشهرَ ، واٌقْتَدِ به في حضرة ربك ، لكونك شاهدْتَ حقيقتَه صلى الله عليه وسلم ، وهي الواسطة بينك وبين ربك ، ولم يَصِلْ إليك خيرُُ (82) إلا منها ، ولا مَطمَعَ لكَ في وُصولِ خيرٍ من ربكَ خارجًا عن دائرتها . ومَعْنَى قولِه قّدِّمْهُ (83) : تَأَدَّبْ بآدابهِ ، والتزِمْ بمتابعتِه ، واجعَلْه قِبْلةَ وَجْهِكَ وتَوجهَاتِكَ،  ليَحصُلَ لك بذلك الرِّضَا من ربك . وقوله : كنت أنتَ إمامه ، فإنك قبل هذا التطهير كنتَ متقدِّمًا على الشارع صلى اللهُ عليه وسلَّمَ ظُلمًا وعدوانًا ، تَحْكُمُ لنفسكَ بِهَوَاكَ ، ولا تَسْعَى إلا في متابعة مرادك ، ولا يكون لك وُلُوعُُ إلا بإرضاء نفسك بعيدًا عــن  الحضرة الإلهية ، ومُتَنَائِيًّا عن الاتصاف بالأوصاف الروحانية ، وغريقًا في بحر الظلمات (84) بما بَعُدْتَ عنه من الأنوار الروحانية ، لاَ تُلِمُّ بأحكام الشارع ، ولا تَلْتَفِتُ إليها . لِغَلَبَةِ الهَوَى عليكَ ، بِسَرَيَانِ سُمِّهِ في كُلِّيَّتِكَ ، فأنتَ في الحقيقة عبدُُ مشركُُ بالله ، لكونك نَصَّبْتَ نفسك إِلَهًا تَعْبُدُهَا من دونه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى :<< ما تحت قُبَّةِ السماء إِلهُُ يُعبَد من دون الله أعظمُ من هَوًى مُتَّبَعٍ>>(85) ، فلِذَا عَبَّرَ الناظمُ بكونكَ كنت أمامَه ، إذْ لو كنت خلفَه مُتَبِعًا لَهُ لم تُخالِفْهُ بمتابعةِ هواك ، ورِضَاكَ عن نَفسِكَ ، وسَعْيِكَ في مَرْضَاتِها ومَحَابِّها ، وهَرَبِكَ من مَكَارِهِهَا ومَضَارِّهَا، وإنْ كان في ذلك سُخْطُ رَبِّكَ . وهذا هو التقديمُ بين يدي الشارع صلى الله عليه وسلم المُصرَّحُ بالنهي عنه في قوله سبحانه وتعالى :] يا أيها الذين أمنواْ لا تُقَدِّمًواْ بين يَدَي اللهِ ورسولهِ [ (86) ، وبقولِه سبحانه وتعالى :] فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومنون حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَر بينهم ثم لا يَجدُواْ في أنفسهم حَرَجًا مِمَّا قَضيتَ ويُسَلِّمُواْ تَسليمًا [ (87) ، فهذا هو معنى قولِه : كــنتَ أنــتَ أَمَامَــه وإنْ قُــلنا الإمـامُ  الذي تُقَدِّمُه هو العقلُ ، والعقلُ هَاهُنَا هو العقل الرَّبَّانِيُّ المُسْتَتِرُ في حضرةِ الغيبِ ؛ الذي كان صفةً للروح أَوَّلاً قبل التركيب في الجسمِ . فإنه كان للروح بمنزلةِ البَصَرِ للعَينِ كَما أنَّ البصر تنكشف به حقائقُ الأشياءِ الظاهرةِ في العينِ ، كذلك العقلُ الربانيُّ الذي كان وصفًا للروح قَبلَ التركيب في الجسم تنكشف به حقائقُ الأشياء الباطنة ، وتُعرَفُ به حقيقةُ الحقِّ حَقًّا (88)، والباطلِ بَاطِلاً حَقيقيًّا ،  وكَشْفًا يقينيًّا لا تلتبسُ عليه الأمورُ ، ولا تُدْهِشُهُ مُعضِلاَتُ الفِتَنِ ، فهُوَ القِسْطَاسُ المستقيم بين كِفَّتَيِ (89) الحق والباطل ، يُعرَفُ به كيفيةُ المُوَازَنَةِ للأشياءِ ووضعُ كلِّ شيءٍ في كِفَّةِ الحق ، أو في كِفَّةِ الباطلِ ، ويُعرَفُ به صُورَةُ التَّرْجِيحِ بين الأشياء والمُعَادَلَةِ . وهذا العقلُ الربانيُّ يأخذ العلمَ عن الله بلا واسطةٍ ، لا يحتاج إلى تعليم مُعلِم، ولا إخبارِ مُخبِرٍ ،بل كل ما أراده من العلم أَخَذَه عن الحق بلا واسطةٍ ، وهذا هو العقلُ الذي يجب تقديمُه . ثم إن مراتب العقل ثلاثة : الأول هو العقل الرباني الذي هو (90) مَحْضُ النورِ الرباني المُنصَبِّ في بَاطِنِ حقيقةِ الروحِ ، فهو (91) الهادي والمُبَلِّغُ إلى الغايةِ , ولا يَصِلُ إلى هذا العقل إلا العارفُ بالله الكاملُ والمَرتبة الثانية في العقل هو العقلُ الكلي ؛ الذي استَتَرَ بقُشُورٍ من الظُّلمَةِ الخفية ، فانكشفت له حقيقةُ الأشياء الكونيَّةِ ظاهرًا وباطنًا . والفرقُ بينَه وبَيْنَ العقلِ الأول أنَّ (92) العقل الأولَ تنكشفُ له الأشياءُ ظاهرًا وباطنًا ، ويُعايِنُ أسرارَ الحَضْرَةِ القُدُسِيَّةَِ ، ويَجلسُ على كُرْسيٍّ السَّلْطَنَةِ العُظْمَى ، ويَحكُم في جميع الأشياء بما يُريدُ ، فَتَنْفَعِلُ لَهُ ، ولا يَسْتَعْصِي (93) عليه شيءُُ . وأمَّا العقلُ الثاني الذي هو العقلُ الكُلِّي فإنه احتَجَبَتْ عنه الحضرةُ الإلهيةُ بِحُجُبٍ كثيرة ، ولم يُحِطْ بشيء من أسرار الحضرة القُدُسِيَّةِ ، إلاَّ أنه انكشفَتْ لَهُ حقائقُ الكون الظاهرةُ والباطنةُ ، لَكِنْ بنور إلهيٍّ قُذِفَ فيه ، فتَحكَّمَ في الأشياء بما يُرِيدُ، تارةً يُنَفِّذُ مُرادَه ، وتارة يستعصِي عليه مُرادُه ، وعَرَفَ مَواردَ الأمور ومَصَادِرِها مِنْ ظاهر الكون ، لاَ مِنْ بَاطن الحضرة القُدُسِيَّةِ (94) فإن المعرفة التي تَأْتِي(95) من بَاطِنِ الحضرة  القدسية بحقائق الكون ظاهرًا وباطنًا ، والمعرفةَ التي تأتي من ظاهر الأكوان الغيبية الظاهرة بينهما بَوْنُُ بعيدُُ ، والعقل الكلي في هذه المرتبة يَزِنُ الأشياءَ بالقُسْطَاسِ المستقيم ، فيَعرِفُ الأشياءَ وعَواقبَها ، وما تَؤُولُ إليه . فهو من أكبرِ المَطالبِ وأعلاها ، وإنْ كَانَ قَصُرَ به الأمرُ عن بلوغ رُتبة العقل الربَّاني ، فإنه يُفيِدُ(96) إفادةً عظيمة ، وله علومُُ ومَعارفُ جَسِيمَةُُ ، إلا أنها في صُورِ الأكوانِ فقطُّ ، وهذا العقلُ يشترك فيه المُومِنُ والكافرُ ، فقد يُؤْتَى هذا العقلَ الثانيَ بعض الكَفَرَةِ بِدَوَامِ مُخالفَتِهِم لِهَوى نفوسِهم ، وارتقابِهم للحضرةِ الإلهيةِ ، ولا يُغْنِي عنهم شيئا لِعَدَمِ الإيمان . لكن يَظْفَرُون بِخَوَاصِّه أَيْ (97) العقلِ الكلي في الدنيا ، مِنْ كشفِ بعض الغيوب ، والتصرفِ في بعضِ الخواصِّ والأسرار ، ونُفوذِ الكلمةِ في كثير من الأمور ، ولكنه استدارجُُ لهم إلى ما يُريدُ بِهِمْ من إهلاكِهِ لَهُمْ في الآخرة – عَافَانَا اللهُ من ذلك بِمَنِّهِ وكَرَمِه – والمرتبة الثالثة في العقل وهي أَحَطُّ المراتب وأسْفَلُهَا هو العقل المعاشي الذي يُدبِّر أمرَ الدنيا وظواهرها من الشهوات والعُكوفِ عليها ، وحُبِّ الرَّاحَاتِ ، والانهماك في مُتابعةِ الهوى ، والفِرَارِ مِن كل ما يُنَاقِضُ هذه الأمورَ ، وهذا العقلُ يشتركُ فيه الآدَمِيُّ والبهائمُ . والعقلُ الذي يجب تَقديمه هو العقلُ الأكبرُ الربانيُّ ؛ الذي هو من وراء العقل الكلِّي . وقولُه قَدِّمْهُ لأن هذا العقل يَدعُو إلى كمالِ التعلُّقِ بالله تعالى ، وكمالِ الطهارةِ من كل ما سِوَى الله تَعَالَى عَيْنًا وأثرًا ، تَعَلُّقًا ومُسَاكَنَةً ، وملاحظةً واستيناسًا وإرادةً . ولذا يجب تقديمُه ، لأنه يَجْذِبُ مُتَّبِعَهُ إلى حضرة الله مَحْضًا بكمال الطهارة من كل ما سواها ، فَلِذَا يجب تقديمُه ومُتابعتُه . وقولُه وكنتَ أَنْتَ إِمَامَهُ يشير إلى حالة الشخص حيث كانت البشرية مُستوليةً عليه،، لايَسعَى إلا في مُتابعَةِ هَوَاهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وإمَامًا يَقتَدِي به ، ونَبَذَ العقلَ الربانيَّ ، وحكَّمَه وَرَاءَ (98) ظهره فَلِذا كنتَ إِمَامَهُ .

وقوله :<< وصلِّ صلاة الفجر في أول العصر >> معناه صَلِّ صلاةً كصَلاةِ (99) الفجر في أول العصر ، والفجرُ هَاهُنَا هو فجرُ إيجادِ الأرواح حيثُ بَزَغَتْ شمسُها من حضرةِ العدَمِ إلى حضرة الوجودِ، واشتُقَّ له اسمُ الفجر لأن ضياءَ الأرواحِ الذي هو عينُ الوجودِ بَزَغَ من ظُلمة العَدَمِ كبُزُوغِ الفجر من ظلمة الليل . وقوله : في أول العصر في أولِ عَصْرِ عُمُرِ الأرواحِ مِنْ أولِ نَشأتِها ، يُشيرُ إلى حالة الروح وما كانت عليه من كمالِ الطهارة والصفاء، وكمالِ مَعرفتِها بالله تعالى ، وكمالِ حُبِّها لذاتِه ، ونِسيانِها لكل ما سوى الله تعالى ، وعُكُوفِها على خِدمتِه ، والآداب بين يديه ، ودُؤُوبِها طبيعةً جِبِّليَّةً على تعظيمِه وإجلالِه، غيرَ مُباليةٍ بغيره . فهذه كانت حالةُ الروحِ في أول نشأتها الذي هو أَوَّلُ عَصْرِ عُمُرِهَا ، وهو انشقاقُ فجْرِ إيجادِها . يقول الناظم : أيها الطَّالِبُ إذا صَلَيتَ لله تعالى فَصَلِّ صلاةً كصلاةِ الأرواح في أول عصرِ عُمُرِهَا عند انشقاق فَجْرِها ، حيث كانت تامَّة المعرفة بالله تعالى على الحالة المذكورة آنفاً، فإنَّ ذلك هو اللاَّئِقُ بالحضرة الإلهية لاَغَيْرُ . فإنك مَتَى مَرَّ بقَلبِك في الصلاة غيرُ الله تعالى فَمَا أنتَ بِمُصلٍّ ، ولاَ هِيَ صلاةُ العارفين ، بَلْ صَلِّ صلاةَ العارفين على حالةِ الرُّوح في أولِ نشأتها المذكورة أولا ، فلذا قال الناظم : فهذه (100) صلاة العارفين بربهم . ويُوجَدُ في بعضِ نُسَخِ هذه الأبيات وَصَلِّ صَلاة الظُّهْرِ في أول العصر ، أشار بالظُّهِرِ إلى أولِ ظهور الأرواح من ظلمةِ العدم إلى ضياء الوجود في أولِ عَصْرِ عُمْرِهَا ، وهو المُعَبَّر عنه بالفجر ، فلذا قال : فهذي صلاة العارفين بربهم ، لأن العارف إذا قام إلى الصلاة ،نَبَذَ الوجودَ كُلاًّ مِنْ(101) وراء ظهره ، وأقبلَ على الحق بكُلِّيَّتِهِ ظاهرًا وباطنًا ، فلا محبَّةَ عنده ، ولا تعظيمَ ، ولا إجلالَ ، ولا اعتبارَ ، ولا وجودَ ، ولا وَهْمَ ، ولا  حِسَّ، إلا لله سُبْحَانَه ، مِثلُ حالةِ الروحِ كما ذكرتُ أولاً.

وقوله :<< فإن كنتَ منهم >> أي من العارفين << فانضح البَرَّ بالبحر >> معناه البَرُّ ظواهرُ الشرعِ من المأْمُورَاتِ التكلِيفيَّةِ؛ التي هي القيامُ فيها لله تعالى عِبَادَةً وعُبُودِيَّةً وعُبُودَةً(102) ، وقوله بالبَحْرِ هو بحرُ الحقيقة ، يُشيرُ إلى أنك لا تَفعَلُ فِعْلاً من المأمورات التكليفية شرعًا إلا وأنت تُشاهِدُ الحق أمامَكَ ، ومُحِيطًا بِكَ ، ونَاظِرًا إليك ، وأنك في قبضَته وفي حضرتِه ، وقُدرَتُه هي المحرِّكةُ لك والمُسَكِّنَةُ . وهذا الشهودُ ليس اعتقادًا ، بل عَيْنِيًّا حقيقيًّا ، وإدراكًا يَقِينيًّا ، يُثْمِرُهُ صفاءُ الأحوالِ ، ويُعْطِيه كمالً التحقيقِ في مقامات الإنزالِ , ولا إدراك فيه للمقال ، فهذا الأمرُ هو المُعَبَّرُ عنه بِنَضْحِ بَرِّ الشريعةِ بِبَحْرِ الحقيقة والسلام .

والفرقُ بين العِبادة والعُبَودِيَّة والعُبودَةِ ، فأما العبادة فهي القيام بأمر الله في مقام الإسلام ، صاحِبُها لا حضورَ لَهُ مع الله إلا نَزْرُُ قليلُُ بِكَدٍّ شديدٍ . والعبوديةُ هي القيام بأمر الله في مقام الإيمَانِ ،وصاحبُها يكون حاضرًا مع الله ؛ أوَّلُهَا مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ كَثِيفٍ ، وآخرُها مِنْ وراء سِتْرٍ رَقيقٍ. والعُبُودَةُ هي القيامُ بأمر الله في مَقام الإحسانِ، فإنَّ صاحبَها لم يكن في عينه وجودُُ إلا الحق سبحانه وتعالى وهو يَرى الحَقَّ وهو يَرَى الحق عِيَانًا بعينِ بَصِيرتِه ، ونُورِ يَقينِه ، قال ابن عطاء الله (103) :<< شعاعُ البصيرةِ يُشْهِدُكَ قُرْبَه منك ، وعَيْنُ البصيرةِ يُشْهِدُكَ فَنَاءَك لِوُجُودِهِ ، وحقُّ البصيرة يُشْهِدُكَ وجُودَهَ لاَ فَنَاءَك ولاَ وُجُودَكَ >> فشعاعُ البصيرة هو نُورُ العقل ، وعبادةُ صاحبها هي المعبَّرُ عنها بالعِبَادَةِ ، وعينُ البصيرة هو نُورُ العِلم ، وعبادةُ صاحبِها هي المعبَّرُ عنها بالعبودية ، وحقُّ البصيرةِ هو نُورُ الحق ، وعبادةُ صاحبها هو المعبَّرُ عنها بالعُبُودةِ(104) والسلام . وقولُه فِيمَا تَقَدَّمَ وأَلْحِقْهُ بدرجة الأحرار معناه الحُرُّ الذي تَحرَّرَ مِنْ رِقِّيَّةِ الأَغْيَارِ (105) حُبًّا وإرادةً ومَيْلاً وتعظيمًا ، واٌسْتِئْنَاسًا ومُسَاكَنَةً ومُلاحَظةً ، وغَرِقَ في حَضْرَةِ الجَبَّارِ ، فَلاَ عِلْمَ لَهُ بغَيرِه ،ليس له مع غير الله سُكُونُُ ولا قَرارُُ ، ولا عن غير الله إِخْبَارُُ، ويَصِيرُ الخَلْقُ فِي عَيْنَيْه كالأَبَاعِرِ على وَجْهِ المَاءِ . قال بعضُ الكبار :

أَتَمَنَّى عَلَى اٌلزَّمَانِ مُحَالاً           أَنْ تَرَى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرِّ (106)

انتهى ما أَمْلاَهُ علينا شيخنا أبو العباس التجاني رضي الله عنه في شرح هذه الأبيات من حِفْظِهِ ولَفْظِهِ ، أوَاخِرَ شَعْبَانَ سنةَ سِتٍّ ومِائَتَيْنِ وأَلْفٍ ، والسلامُ . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى (107) آله وصحبه وسَلَّمَ تسليما (108).

 



أضف تعليقا